صوت الشعب الموريتاني:
-في خطوة تتجاوز حدود المراسلات الإدارية، يفتح المدير العام الجديد للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، تيام تيجاني، نافذة جديدة على واحد من أعمق ملفات الهوية المؤسسية في موريتانيا: موقع اللغة العربية في دواليب الإدارة العمومية.
فقد شرعت الإدارة العامة للشركة في استخدام اللغة العربية في مراسلاتها، وفق وثيقة إدارية متداولة مؤرخة في 27 أكتوبر 2026، تحمل الرقم 000169، وتتعلق بإلحاق قطاع الخدمات بالإدارة المركزية للموارد البشرية.
ورغم الطابع الإداري للوثيقة، فإن دلالتها تتجاوز مضمونها المباشر؛ إذ تعيد إلى الواجهة سؤال اللغة التي تُدار بها مؤسسات الدولة، ومدى انعكاس المكانة الدستورية للعربية على الممارسة اليومية داخل المرافق العمومية، ولا سيما في القطاعات الفنية والاقتصادية التي ظلت الفرنسية حاضرة بقوة في أعمالها ومراسلاتها.
وتستند العربية إلى مسار تاريخي ودستوري واضح؛ فقد أُقرت لغةً رسمية إلى جانب الفرنسية عام 1968، قبل أن يكرّس دستور 1991 رسميتها، مع الاعتراف بالبولارية والسوننكية والولفية لغات وطنية.
غير أن المسافة بين النصوص القانونية والممارسة الإدارية ظلت تطرح تساؤلات متجددة بشأن حضور العربية في المراسلات والوثائق والتعاملات المؤسسية، ومدى ترجمة رسميتها إلى واقع ملموس.
ومن هنا، تكتسب خطوة «صوملك» أهميتها بوصفها مناسبة لإعادة طرح القضية، لا باعتبارها مفاضلة بين اللغات، بل باعتبارها نقاشًا حول تفعيل المكانة الرسمية للعربية، مع مراعاة المتطلبات الفنية والإدارية وواقع التعدد اللغوي الوطني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تتحول هذه المبادرة إلى بداية لمسار مؤسسي أوسع يعيد الاعتبار للعربية في الإدارة العمومية، أم ستظل خطوة محدودة في مراسلات مؤسسة واحدة؟
فالمعيار الحقيقي لن يُحسم بوثيقة منفردة، مهما كانت دلالتها، وإنما بمدى استمرارية هذا التوجه، واتساع نطاقه، وقدرته على الانتقال من المبادرات الفردية إلى ممارسة إدارية مستقرة.
وبين النص الدستوري والواقع اليومي، تبقى لغة الإدارة أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ إنها عنوان لمدى انسجام الممارسة المؤسسية مع المرجعية القانونية للدولة، واختبار لقدرة المؤسسات على تحويل المبادئ المعلنة إلى واقع ملموس.
(صوت الشعب الموريتاني)