(صوت الشعب الموريتاني): ما وراء الأكمة:
من الجغرافيا إلى السيادة.. لماذا عادت الحدود الشمالية إلى واجهة الحسابات المغاربية؟
-ليست لكويرة مجرد مدينة مهجورة على شاطئ الأطلسي، ولا الكركرات مجرد معبر تعبره الشاحنات بين المغرب وموريتانيا؛ فخلف هذين الموقعين تختبئ معادلات جغرافية واقتصادية وسياسية تتجاوز حدود المكان، وتفتح أسئلة حساسة حول السيادة، وأمن الحدود، ومستقبل التوازنات في منطقة المغرب العربي والساحل والصحراء.
فهل يدرك من يتعامل مع موريتانيا بمنطق الاستهانة أن للجغرافيا أحكامها، وأن الموقع الاستراتيجي قد يمنح الدولة أوراق تأثير لا تقاس بمساحتها أو حجم اقتصادها؟ وهل يمكن أن تتحول لكويرة، في سياق أي تسوية نهائية لنزاع الصحراء الغربية، إلى أحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقات الموريتانية المغربية؟
لكويرة.. مدينة صامتة وملف لم يُطوَ
-تحتل منطقة لكويرة موقعاً بالغ الحساسية عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة رأس نواذيبو، بمحاذاة المحيط الأطلسي. وقد ظلت، منذ سبعينيات القرن الماضي، مرتبطة بواقع ميداني خاص، مع وجود عسكري موريتاني فيها، بينما بقي وضعها النهائي محاطاً بحسابات تاريخية وسياسية وقانونية معقدة.
ومن هنا، فإن وصفها بـ«مدينة الأشباح» لا يحكي فقط عن مكان خفتت فيه مظاهر الحياة المدنية، بل يستحضر أيضاً قصة منطقة ظل مستقبلها مرتبطاً بتحولات الصحراء الغربية، وبطبيعة التسوية التي قد تفضي إليها المفاوضات الدولية.
وتزداد أهمية لكويرة بالنظر إلى قربها من نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد، وما يترتب على هذا الموقع من اعتبارات أمنية وبحرية وتجارية. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبلها لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف على نقطة جغرافية، بل ينبغي أن يُقرأ في إطار أوسع، يراعي المصالح الوطنية الموريتانية، واستقرار الحدود، وحماية المجال البحري والاقتصادي.
لجنة ترسيم الحدود.. ماذا تريد نواكشوط؟
-عاد ملف الحدود إلى دائرة الاهتمام بعد ورود مقترح موريتاني في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية، يدعو إلى إنشاء لجنة تتولى توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، على أساس التوافق بين الأطراف.
وقد أثار هذا المقترح قراءات متعددة، ربط بعضها بينه وبين مستقبل لكويرة، وذهب إلى أن نواكشوط تسعى إلى تثبيت وضع المنطقة ضمن أي تسوية نهائية. غير أن هذه القراءة تظل تفسيراً سياسياً للمبادرة، ولا يصح التعامل معها بوصفها إعلاناً رسمياً عن مطالبة موريتانية جديدة بالسيادة على لكويرة.
والأهم أن الناطق باسم الحكومة الموريتانية، محمد ولد ببانه، أكد في 21 أكتوبر 2026 تمسك بلاده بالحل السلمي والتوافقي تحت رعاية الأمم المتحدة، محذراً من تحميل المقترح ما لا يحتمله أو تفسيره باعتباره تنازلاً متبادلاً بين الدول.
وهنا تتجلى المسألة الأساسية: إن توضيح الحدود وترسيمها ليسا بالضرورة إعلاناً عن نزاع جديد، بل قد يكونان جزءاً من مسعى لتفادي الالتباس القانوني والأمني الذي يمكن أن ينشأ عن أي تسوية مستقبلية.
فالحدود التي لا تُحسم قواعدها بوضوح قد تتحول، مع تغير الظروف، إلى مصدر توتر بين الجيران.
الكركرات.. شريان تجاري وأداة تأثير جغرافي
-على الضفة الأخرى من هذه المعادلة، يبرز معبر الكركرات بوصفه ممراً برياً مهماً لحركة التجارة بين المغرب وموريتانيا، وبوابة نحو أسواق غرب إفريقيا.
ومن ثم، فإن أي اضطراب كبير في حركة العبور عبره يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل، ومواعيد وصول السلع، ومصالح المصدرين والناقلين والتجار. وتزداد حساسية هذا المسار في ظل تعقيدات العلاقات المغربية الجزائرية وإغلاق الحدود البرية بين البلدين منذ عقود.
لكن السؤال الافتراضي عن احتمال إغلاق المعبر من جانب موريتانيا يحتاج إلى قراءة دقيقة: فالمعبر يقع في منطقة ذات وضع سياسي متنازع عليه، ولا ينبغي الخلط بين أهمية موريتانيا في حركة التجارة وبين امتلاكها سلطة قانونية مطلقة ومنفردة على جميع ترتيبات العبور في المنطقة.
كما أن تعطيل هذا الممر لن يكون بلا كلفة على موريتانيا نفسها، التي ترتبط مصالح تجارها ومستهلكيها وشبكات إمدادها بحركة التجارة الإقليمية. ولذلك فإن قيمة الموقع الاستراتيجي لا تكمن في التهديد بإغلاق الطرق، بقدر ما تكمن في القدرة على حماية المصالح الوطنية من خلال التفاوض والتعاون والاتفاقات الواضحة.
هل تستطيع موريتانيا إعادة رسم حسابات المنطقة؟
-تملك موريتانيا، بحكم موقعها بين المغرب العربي وغرب إفريقيا ومنطقة الساحل، أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها الجغرافية. فهي ترتبط بشبكات تجارية وأمنية مع المغرب والجزائر والسنغال ومالي، وتستطيع تنويع شراكاتها بما يخدم مصالحها الوطنية.
وفي المقابل، يملك المغرب موانئ أطلسية ومتوسطية، وعلاقات تجارية دولية، وخيارات لوجستية متعددة، وإن كانت هذه البدائل لا تعني بالضرورة أنها تستطيع تعويض أي اضطراب في معبر الكركرات بالسهولة والكلفة نفسيهما.
وعليه، فإن الحديث عن امتلاك موريتانيا «مفتاح المغرب إلى إفريقيا» يحمل قدراً من المبالغة إذا أُخذ حرفياً، لكنه يلفت الانتباه إلى حقيقة مهمة: الممرات التجارية ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل عناصر مؤثرة في حسابات الدول الاقتصادية والدبلوماسية.
ومن الخطأ، في الوقت نفسه، تصوير العلاقات بين نواكشوط والرباط باعتبارها معادلة صفرية، يكون فيها مكسب أحد الطرفين خسارة حتمية للآخر.
فالمصالح المتشابكة بين البلدين تجعل التعاون المستقر أكثر نفعاً من التصعيد، كما أن أي توتر حدودي قد يفتح الباب أمام تكاليف لا يرغب فيها أي منهما.
موريتانيا.. السيادة أولاً، والحكمة في إدارة الأوراق
-إن الدفاع عن المصالح الموريتانية لا يحتاج إلى تضخيم الوقائع أو بناء مواقف على سيناريوهات افتراضية، بل إلى قراءة هادئة للتاريخ والخرائط والاتفاقات الدولية، وإلى دبلوماسية قادرة على تثبيت الحقوق وحماية المصالح من دون التفريط في علاقات حسن الجوار.
ولذلك، فإن ملف لكويرة يستحق نقاشاً وطنياً معمقاً، يستند إلى الوثائق التاريخية والقانونية، ويُميّز بين السيطرة الميدانية والوضع القانوني النهائي، وبين المطالبة السياسية والتسوية التوافقية. كما أن مبادرة ترسيم الحدود ينبغي أن تُناقش في ضوء نصوصها الرسمية ومآلاتها المحتملة، لا عبر استنتاجات متسرعة أو قراءات إعلامية متعارضة.
الخلاصة: لا تُقاس مكانة الدول بحجمها وحده، بل بقدرتها على حماية سيادتها، وإدارة موقعها الجغرافي، وتحويل مصالحها إلى مكاسب مستدامة.
وموريتانيا، بما تملكه من موقع استراتيجي وصلات إقليمية، معنية بأن تكون شريكاً محترماً في كل ترتيبات المنطقة، لا مجرد ممر على خرائط الآخرين.
أما لكويرة والكركرات، فهما تذكير بأن الجغرافيا قد تفتح أبواب النفوذ، لكن القانون والدبلوماسية والحكمة هي التي تحدد كيف يُدار هذا النفوذ.
موريتانيا دولة ذات سيادة، وحماية مصالحها مسؤولية وطنية؛ وأفضل ضمان لهذه المصالح هو وضوح الحدود، واحترام القانون الدولي، وعلاقات متوازنة تحفظ الحقوق وتمنع الأزمات.
(صوت الشعب الموريتاني)