-في خطوة سياسية تحمل دلالات التوقيت والاتجاه، جدد حزب “الإنصاف” الحاكم في موريتانيا تمسكه المطلق بخيار “الحوار الوطني”، واصفاً إياه بـ “المسار الاستراتيجي” الذي لا رجعة عنه لتعزيز التوافق وترسيخ قيم التشاور مع مختلف الفرقاء على الساحة السياسية.
-جاء ذلك خلال اجتماع رفيع المستوى للجنته الدائمة، ترأسه رئيس الحزب محمد ولد بلال مسعود؛ حيث تحول الاجتماع إلى غرفة عمليات سياسية ناقشت جملة من الملفات الساخنة والمستجدات التنظيمية، وفي مقدمتها الترتيبات اللوجستية والسياسية المواكبة لذكرى تنصيب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لمأموريته الثانية.
-ولم يقتصر الاجتماع على البُعد الخارجي، بل غاص في المطبخ الداخلي للحزب عبر مناقشة “ورقة التراتبية الحزبية” وحسم المسارات القانونية المتعلقة بتجديد الهيئات السياسية، مستعرضاً حصيلة الحراك الميداني لشهر يونيو الماضي. وتأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه الحزب الحاكم إلى إرسال إشارات قوة للداخل، وتأكيد جاهزيته التنظيمية لإدارة المرحلة المقبلة وضمان حضور ميداني مكثف يواكب الطموحات السياسية للنظام.
“صوت الشعب الموريتاني”:حوار “الإنصاف” بين المناورة السياسية ومأزق التوافق: هل تصمد “تهدئة” الغزواني أمام اختبار الشراكة الحقيقية؟
-يكتسب إعلان حزب “الإنصاف” تمسكه بالخوار الوطني أهمية استثنائية في هذا التوقيت بالذات؛ إذ لا يمكن قراءته كأجراء تنظيمي روتيني، بل هو مناورة سياسية حذرة لترتيب الأوراق بعد حسم الاستحقاقات الرئاسية الماضية والدخول الفعلي في تفاصيل المأمورية الثانية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
-منظور الحزب الحاكم يرى في الحوار صمام أمان لتثبيت أركان “التهدئة السياسية” التي بشر بها الرئيس منذ وصوله للسلطة، ومحاولة لتفكيك بؤر الاحتقان التقليدية عبر استيعاب المعارضة تحت سقف التشاور، دون تقديم تنازلات جوهرية تمس ببنية النظام أو توازناته القائمة.
-بالنسبة للموالاة، الحوار هو أداة لإدارة المشهد بمرونة وضمان استمرارية الاستقرار.
-في المقابل، تقف قوى المعارضة الموريتانية بمختلف أطيافها الراديكالية والمعتدلة بموقف يمزج بين التوجس والترقب؛ حيث ترى بعض القوى المعارضة أن لغة “الحوار” السائدة لدى الحزب الحاكم غالباً ما تفتقر إلى “آليات تنفيذية وضمانات حقيقية”، وتخشى من تحويل هذا المسار إلى مجرد “ملتقى للعلاقات العامة” يهدف إلى تدجين المعارضة واستهلاك الوقت دون إحداث إصلاحات جوهرية في المنظومة الانتخابية، أو ملفات الحكامة، أو محاربة الفساد، وإشراك حقيقي في القرار الوطني.
-بين هذه التوازنات الصعبة، يقف المشهد الموريتاني أمام تحدي تحويل الخطاب السياسي المتوازن إلى واقع ملموس يلامس هموم “صوت الشعب الموريتاني”؛ فإما أن يفضي تمسك “الإنصاف” بالتشاور إلى حوار وطني شامل يضع القواعد التأسيسية لدولة المؤسسات والشراكة، أو أن يظل مجرد شعار تكتيكي لامتصاص حماس الشارع واحتواء نخب المعارضة، وهو ما ستكشفه الأسابيع المقبلة مع بدء ترجمة هذه التوصيات على طاولة المفاوضات الفعلية.