نواكشوط | في خطوة تشكل منعطفاً سياسياً لافتاً، وترسم ملامح خريطة جديدة لخطوط المواجهة في الساحة الموريتانية، أُعلن صباح اليوم في العاصمة نواكشوط عن ميلاد تحالف معارض جديد تحت اسم “قوى الإنقاذ”.
-هذا الكيان الوليد جاء مدفوعاً بتركيبة تجمع بين حيوية الشارع الميداني والزخم البرلماني، حيث تكتل تحت لوائه ثلاثة أحزاب سياسية (حزب العمران بقيادة أحمد هارون الشيخ سيديا، حزب التغيير الجاد برئاسة بنت وهب بلال رمظان، وحزب تجديد الحركة الديمقراطية بزعامة يعقوب المرابط)، مدعومين بثلاثة من أبرز نواب البرلمان المشاكسين (محمد الأمين سيدي مولود، خالي ممادو جلو، ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل)، إضافة إلى حركة “كفانا” الشبابية بتنسيقها العام مع محمد المختار عبدي.
-التحالف الجديد لم يتأخر في إشهار أسلحته السياسية، حيث جاء بيانه التأسيسي بمثابة “مانيفستو” ناري أعلن فيه أن التغيير في موريتانيا يجب أن يتجاوز مرحلة “المطلب الشعبي العفوي” ليتحول إلى “مشروع سياسي منظم”.
-ووجه التحالف انتقادات لاذعة للنظام الحالي، مشدداً على أن الفساد وصل إلى مستويات مستفحلة، بالتوازي مع تفاقم الأزمة المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
-وساق البيان أزمة المحروقات الأخيرة كدليل إدانة على ما وصفه بـ”عجز الحكومة عن إدارة الأزمات أو تقديم حلول عادلة”.
-كما حذر من تراجع الحريات العامة وتعثر الحوار السياسي، متهماً السلطة بالانشغال بمعارك جانبية على حساب أولويات الدولة.
-وفيما يشبه رسم “الخطوط الحمر” الدستورية، أعلن التحالف أن رسالته الأولى هي الدفاع عن مبدأ التناوب الديمقراطي، ملوحاً برفض أي مسعى للمساس بالضمانات الدستورية المنظمة للمأموريات الرئاسية.
-وتعهد “قوى الإنقاذ” بنقل المعركة إلى الشارع عبر برنامج وطني للتعبئة والحشد يتوج بمهرجان شعبي جامع لكسر ما سماه “احتكار الفعل الجماهيري”، وتقديم بديل وطني قادر على قيادة الدولة بكفاءة، رافضاً أي تداول شكلي يعيد إنتاج النظام لنفسه.
-موقع “صوت الشعب الموريتاني”:
“قوى الإنقاذ” في موريتانيا.. زلزال معارض متجدد أم مناورة لملء الفراغ؟ تفكيك موازين القوى بين الشارع والقص:
-يأتي إعلان تشكيل تحالف “قوى الإنقاذ” في توقيت سياسي بالغ الحساسية، ليعيد إلى الأذهان جدلية التكتلات السياسية في موريتانيا وقدرتها على الصمود أو إحداث الفارق.
-من الناحية البنيوية، يمتلك هذا التحالف عناصر قوة موضوعية لا يمكن للعين الخبيرة إغفالها؛ فهو يجمع بين الشرعية الانتخابية المتمثلة في نواب برلمانيين يحظون بشعبية واسعة وقدرة خطابية وميدانية مشهودة، وبين حركات شبابية وأحزاب صاعدة تتكئ على خطاب راديكالي يلامس مباشرة هموم الشارع المعيشية (كأزمة المحروقات، والقدرة الشرائية).
-هذا المزيج يسعى بوضوح إلى سحب البساط من المعارضة “التقليدية” التي يرى البعض أنها دخلت في طور المهادنة أو الشيخوخة السياسية، وإعادة الاعتبار للعمل الميداني عبر التلويح بورقة الشارع والمهرجانات الحاشدة.
-في المقابل، وعند إخضاع هذا المشهد لأدوات التحليل السياسي المتوازن، نجد أن التحدي الأكبر الذي يواجه “قوى الإنقاذ” ليس في بلاغة البيان التأسيسي ولا في تشخيص الأزمات الاقتصادية، بل في مدى قدرة هذه الأطراف المتباينة أيديولوجياً وخلفياتٍ على صياغة مشروع بديل يتجاوز منطق “الرفض المشترك” إلى “البناء المشترك”. فالساحة الوطنية الموريتانية شهدت تاريخياً ولادة تكتلات مماثلة سرعان ما أصابها التصدع عند أول استحقاق انتخابي أو خطوط تماس حوارية مع السلطة.
-من جهة أخرى، يرى مراقبون محسوبون على الموالاة والأغلبية الحاكمة، أن المبالغة في تصوير الواقع على أنه “أزمة انسداد” يجافي الحقيقة؛ حيث تؤكد الدوائر القريبة من السلطة أن قنوات الحوار لم تُغلق، وأن الدولة تواجه أزمات اقتصادية مستوردة في ظل سياق إقليمي ودولي معقد، معتبرة أن مرونة النظام وقدرته على استيعاب المبادرات قد تفكك شفرة هذا التحالف قبل أن يتحول إلى قوة ضغط حقيقية في الشارع.
خلاصة القول: إن تحالف “قوى الإنقاذ” يمثل ضخاً لدماء جديدة في شرايين المعارضة الموريتانية، وهو خطوة ذكية لإعادة ضبط موازين القوى والدفاع عن المأموريات الدستورية.
-لكن نجاح هذا الوليد السياسي سيبقى رهناً بمدى قدرته على الانتقال من “خطاب المظلومية الاقتصادية” إلى “برنامج البديل الواقعي”، وفي قدرة السلطة أيضاً على قراءة الرسالة بذكاء وتقديم تنازلات في ملف الحوار والحريات لتفادي انفجار الشارع المعيشي.