نواكشوط | في لحظة مفصلية من تاريخ النضال الحقوقي في موريتانيا، ومثقلةً بإرث رائدها التاريخي، حسمت منظمة “نجدة العبيد” ترتيب بيتها الداخلي؛ حيث اختار المؤتمرون المنعقدون اليوم في العاصمة نواكشوط، الأمين العام السابق للمنظمة، محمد ولد امبارك، رئيساً جديداً، ليتسلم الأمانة الثقيلة خلفاً للراحل الأبرز ببكر ولد مسعود.
-الانتخاب جاء في ختام مؤتمر استثنائي عُقد تحت شعار يحمل دلالات الوفاء والالتزام: “سنظل أوفياء لنهجك الصادق والصريح، المرحوم بوبكر مسعود رحمه الله أيقونة النضال الحقوقي في موريتانيا”.
وهو الشعار الذي عكس حجم التحدي النفسي والتنظيمي الذي واجهته المنظمة في أول اختبار لها بعد غياب مؤسسها.
-وفي كلمة افتتحت بها هذا المنعطف التنظيمي، لم تخفِ نائبة رئيس المنظمة، مريم بوكاري ماص، استثنائية الظروف التي ينعقد فيها المؤتمر بعد رحيل “الرئيس التاريخي”، مشددة في الوقت ذاته على أن هذه المحطة ليست لمجرد التباكي، بل هي “فرصة لتعزيز وحدة المنظمة، وتجديد هياكلها، وتطوير أدائها”، بما يضمن استمرار المعركة الحقوقية ضد كافة أشكال الاسترقاق والتمييز.
معربة عن ثقتها في أن روح المسؤولية والتوافق ستكون البوصلة التي تقود السفينة نحو بر الأمان لخدمة القضايا العادلة.
موقع “صوت الشعب الموريتاني”
إرث “ببكر” في عهدة “ولد امبارك”: “نجدة العبيد” بين مطرقة الاستمرارية الحركية وسندان التوازنات الوطنية.
-لا يمكن قراءة صعود محمد ولد امبارك لسدة رئاسة منظمة “نجدة العبيد” باعتباره مجرد إجراء تنظيمي روتيني داخل روقة إحدى أعرق المنظمات الحقوقية في موريتانيا؛ بل هو في جوهره “امتحان العبور الأول” لحركة نضالية لطالما ارتبط اسمها كاريزمياً بمؤسسها الراحل ببكر ولد مسعود.
أن يتم اختيار الأمين العام السابق، يعني أن المنظمة فضّلت خيار “الاستمرارية الآمنة” على خيار المغامرة برؤوس جديدة، في محاولة لامتصاص هزة غياب الأب الروحي. غير أن التحدي الحقيقي الذي يواجه القيادة الجديدة لا يكمن في ترتيب البيت الداخلي فحسب، بل في كيفية المناورة وسط شبكة معقدة من التوازنات والمقاربات على الساحة الوطنية المتابعة لهذا الملف بحذر:
-المقاربة الحقوقية الراديكالية والمستقلة: ترى في هذا الانتقال اختباراً لمدى قدرة “نجدة العبيد” على الحفاظ على نبرتها الصارمة وخطها المبدئي الصريح والمستقل في مناهضة مخلفات الاسترقاق والتمييز، دون الانزلاق نحو التهدئة مع السلطة أو الدخول في صفقات سياسية قد تفرغ الخطاب الحقوقي من محتواه.
-المقاربة الرسمية والسياسية: تنظر السلطات وبعض القوى الوسطية إلى هذا التغيير كفرصة لفتح صفحة جديدة من “الشراكة البنّاءة”. فالخطاب الرسمي الموريتاني بات يركز في السنوات الأخيرة على استراتيجيات الدمج التنموي، ومحاربة الفقر، وتفعيل القوانين الصارمة، ويرى أن الشراكة مع قيادة حقوقية عقلانية ومؤسسية هي السبيل الأنجع لحل الأزمات بعيداً عن الصخب والتجاذبات التي قد تهدد السلم الأهلي.
-المقاربة الشعبية والاجتماعية: تتطلع الفئات الهشة، التي تمثل الحاضنة الأساسية للمنظمة، إلى الوفاء الحقيقي لنهج ببكر ولد مسعود؛ وتريد قيادة تلامس همومها اليومية وتوفر لها الدعم القانوني والاجتماعي، بعيداً عن الصراعات السياسية الضيقة.
خلاصة القول :
إن نجاح محمد ولد امبارك في مهمته الجديدة مرهون بقدرته على إحداث “موازنة دقيقة”: الحفاظ على الراديكالية المبدئية في الدفاع عن المظلومين، مع تبني براغماتية مرنة في التعاطي مع الدولة والشركاء الدوليين.
إن “نجدة العبيد” اليوم لا تواجه تحدي إثبات الوفاء للراحل بوبكر ولد مسعود فحسب، بل تواجه تحدي إثبات أن المؤسسة أقوى من الفرد، وأن النضال الحقوقي في موريتانيا قد نضج بما يكفي ليعبر الأزمات دون تفريط ببوصلته الوطنية.