-دخلت السجالات السياسية بين طهران وواشنطن مرحلة جديدة من الحرب الكلامية والدبلوماسية المعقدة؛ ففي ردّ يحمل مزيجاً من السخرية السياسية والصرامة الاستراتيجية، تندّرت الخارجية الإيرانية على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن توجيه الأموال الإيرانية المجمدة لشراء منتجات زراعية أمريكية، مؤكدة في الوقت ذاته أن قدراتها الصاروخية “خط أحمر” خارج أي طاولة تفاوض.
-وفي مؤتمر صحفي عكس المقاربة الإيرانية الجديدة لإدارة الصراع بعد جولة التصعيد الأخيرة، قال المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي: “من المثير للاهتمام أن تتحول الفلسفة الأمريكية للحرب –والتي كانت تهدف لاستئصال الحضارة الإيرانية وتفكيكها– إلى مجرد مسعى لإثراء المزارعين الأمريكيين”.
-وشدد بقائي على أن الأصول المفرج عنها باتت تحت التصرف الحر والكامل لطهران، دون قيود، وسيجري إنفاقها حصراً بما يخدم المصلحة الوطنية الإيرانية.
-وعلى جبهة الملف النووي المعقدة، نفى المتحدث الإيراني حدوث أي لقاء بين الفريق التفاوضي والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، مؤكداً عدم وجود خطط لزيارة المفتشين للمنشآت المتضررة من الحرب.
- غير أن هذا النفي الإيراني يأتي في وقت تزداد فيه الضغوط الدبلوماسية غموضاً؛ حيث تشير تسريبات كواليس مفاوضات سويسرا –وفق تصريحات نائبه جي دي فانس ووزير الخزانة الأمريكي– إلى وجود مساومات أعمق تشمل منح إعفاءات من العقوبات النفطية مقابل دخول المفتشين، وهو ما يضعه البرلمان الإيراني تحت مقصلة قانون “تموز 2025” المتشدد، والذي يشترط حماية المراكز النووية واحترام حقوق طهران الكاملة قبل أي تعاون.
-وفي رسالة حاسمة وموجزة لقطع الطريق أمام أي مراهنات، حسم بقائي الجدل حول الترسانة العسكرية لبلاده، جازماً بأن “الملف الصاروخي والقدرات الدفاعية لم تكن يوماً، ولن تكون أبداً، موضوعاً للتفاوض”.
موقع “صوت الشعب الموريتاني”:
اشتباك طهران وواشنطن: صراع “السيادة والبراغماتية” على حافة الهاوية النووية
-يكشف التراشق الدبلوماسي الأخير بين طهران وواشنطن عن عمق “البرود التكتيكي” الذي يدير به الطرفان صراعاً وجودياً تحكمه لغة المصالح المعقدة. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تحويل الأموال الإيرانية لإنعاش بورصة المزارعين الأمريكيين، تعكس العقلية “التاجر-السياسي” التي تدير البيت الأبيض، وتحاول تسويق التهدئة الإقليمية كإنجاز اقتصادي داخلي للناخب الأمريكي.
-في المقابل، جاء الرد الإيراني الساخر ليؤكد لجمهور طهران الداخلي وحلفائها في المنطقة أن السيادة الإيرانية ليست معروضة في “مزاد ترامب”، وأن فك تجميد الأموال هو انتزاع لحق وطني وليس منة أمريكية.
-زاوية السيادة والمقاومة: يرى المتابعون في الشارع الوطني الموريتاني (خاصة التيارات المناهضة للهيمنة الغربية) في الموقف الإيراني صلابة استراتيجية تُحسب لها؛ فرفض التفاوض على المنظومة الصاروخية واعتبارها خطاً أحمر، يمثل نموذجاً لرفض الإملاءات الأمريكية، وحمايةً لعمقها الدفاعي بعد حرب الأيام الاثني عشر.
-زاوية البراغماتية والمصالح: بالمقابل، يرى طيف آخر من المحللين السياسيين الموريتانيين أن ما يدور تحت الطاولة في سويسرا –ورغم النفي الإيراني الدبلوماسي لقضية المفتشين ولقاء غروسي– هو “براغماتية متبادلة”.
فإيران، المثقلة بالعقوبات، تحتاج بشدة لتسييل أصولها ورفع القيود عن صادراتها النفطية (وهو أمر يترقبه الاقتصاد العالمي وموريتانيا من ضمنه تفادياً لقفزات أسعار الطاقة)، وواشنطن بحاجة لتهدئة الجبهات لإعادة ترتيب أوراقها.
خلاصة القول:
إننا لسنا أمام قطيعة كاملة، بل أمام عملية “عض أصابع” تفاوضية شديدة الذكاء.
-إيران تفاوض من موقع المتألم من الحرب والمتمسك بأوراق قوته الصاروخية، وترامب يفاوض بمنطق الصفقات الربحية.
-وبين الرفض العلني والمساومات السرية، تبقى الحقيقة الثابتة: “الملف النووي بات يكتب فصوله الأخيرة، ولكن بالحبر الأسود للمصالح الوطنية لا الوعود الدولية”.