نواكشوط | فجّر النائب البرلماني ورئيس حركة “إيرا” الحقوقية، بيرام الداه اعبيد، قنبلة سياسية من العيار الثقيل، محذراً من أن النقاشات الراهنة حول “وثيقة الحوار الجديدة” ونموذج نظام الحكم في البلاد، قد لا تقف عند حدود الترميم الدستوري، بل قد تفضي إلى “تغيير الدستور جملة وتفصيلاً”، ملوّحاً بـسيناريو دراماتيكي قد ينتهي بإلغاء النظام الجمهوري والانتقال نحو “نظام ملكي”.
-وفي تسجيلات صوتية حادة النبرة، اعتبر ولد اعبيد أن النقاش الدائر حول وثيقة “الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني” —التي قدمها المنسق موسى فال لتجاوز انسداد الجلسات التحضيرية منذ مارس الماضي— هو مناورة “أكبر شأناً من قضية المأموريات الرئاسية”.
-تفكيك “الخلل المفتعل”
وفي تشريح أكاديمي وسياسي لبنية السلطة، برّأ المعارض الموريتاني البارز نظام الحكم الرئاسي في حد ذاته، معتبراً أن الأزمة تكمن في “خلل مفتعل” تقوده حلقة ضيقة تحيط برأس السلطة.
-واتهم ولد اعبيد النظام بـ “تدجين” المؤسسات الرقابية والقضائية، وفرض “الهيمنة والتغول والسلطة الشخصية” لصالح من وصفهم بـ “الندماء والأقارب والرفاق”.
-وفي سياق متصل، وجّه ولد اعبيد ضربة استباقية للأصوات المنادية بفتح المأموريات الرئاسية، مؤكداً أن الداعين لـ “مأمورية ثالثة” لا يخدمون المصلحة الوطنية، بل يتحركون بدافع “الحفاظ على مصالحهم، ومكانتهم، ومنافعهم الشخصية”.
-مآلات الحوار والشارع
النائب البرلماني أكد أنه لم يطلق هذه التحذيرات جزافاً، بل بناءً على دراسة متعمقة للوثيقة الجديدة المكونة من ثمانية محاور، والاستعانة بخبراء في القانون الدستوري.
- وذكّر بأن تطلعات الشعب والطبقة السياسية والمجموعات القومية كانت تصب في اتجاه “المصالحة الوطنية، ترسيخ الحكامة الرشيدة، وقف هدر المال العام، ومراجعة النظام الانتخابي” الذي وصفه بأنه بات مسبباً لـ “المناكفات والتزوير، والاحتجاجات الدموية، وقطع الإنترنت”. (صوت الشعب الموريتاني)
:
وثيقة “موسى فال” في عين العاصفة: هل يفرط عقد “الجمهورية” على طاولات الحوار الوطني؟
-تأتي تحذيرات الزعيم الحقوقي والبرلماني بيرام الداه اعبيد لتضع الساحة السياسية الموريتانية أمام مرآة استحقاقاتها المصيرية؛ فالحديث عن تحول النظام الجمهوري إلى “ملكي” يحمل في طياته شحنة تحذيرية بالغة الذكاء، تهدف بالدرجة الأولى إلى تحصين المكتسبات الدستورية الموريتانية، ودق ناقوس الخطر أمام أي محاولة لتكريس “شخصنة السلطة” أو تمديد الحقب الرئاسية تحت عباءة “إعادة صياغة نموذج الحكم”.
القراءة المتقاطعة:
-منظور المعارضة الراديكالية: يرى أنصار خطاب ولد اعبيد أن تصريحاته هي توصيف دقيق لواقع “التغول التنفيذي” وهيمنة الحواشي السياسية على مقدرات الدولة، وهي صرخة مشروعة لمنع إفراغ الحوار المرتقب من مضمونه التوافقي وتحويله إلى صك على بياض لإعادة إنتاج النظام القديم بآليات جديدة.
-منظور الأغلبية الحاكمة والمستقلين: في المقابل، يرى مراقبون مقربون من خط الأغلبية أن وثيقة “الدليل المرجعي” التي طرحها المنسق موسى فال بمحاورها الثمانية، تمثل بادرة حسن نية وفرصة تاريخية لتجاوز حالة الانسداد السياسي المستمرة منذ مارس الماضي. وتعتبر هذه الأطراف أن المخاوف من “الملكية” أو “تصفير العداد الدستوري” هي مبالغات سياسية تندرج في إطار “رفع السقوف التفاوضية” للمعارضة، مؤكدين أن النظام الحالي ملتزم بالمؤسساتية والدستور.
-بين السطور (مكمن الخلل): لعل العقدة الحقيقية التي لامسها هذا السجال هي أزمة “الثقة المهزوزة” بين الشركاء السياسيين؛ فبينما تطالب القوى الوطنية بحوار يفضي إلى إصلاحات جذرية للمنظومة الانتخابية، ووقف هدر المال العام، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، تخشى هذه القوى من أن تبتلع التفاصيل التقنية للوثائق الجديدة جوهر المطالب الشعبية.
خلاصة القول: إن موريتانيا اليوم تقف عند مفترق طرق بامتياز؛ فوثيقة موسى فال إما أن تكون جسراً للعبور نحو جمهورية أكثر نضجاً وتوازناً، أو فتيل أزمة جديدة إذا ما ثبتت هواجس المعارضة بأن تعديل نموذج الحكم قد يمس بالثوابت الديمقراطية.
الأيام المقبلة وجاهزية الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة هي وحدهما الكفيلان بتحديد ما إذا كان الحوار سيقود البلاد إلى “المصالحة والرشادة” أم إلى “المناكفة والانسداد”.