-لم تكن السجادة الحمراء التي فُرشت في مطار “أم التونسي” الدولي بنواكشوط مساء اليوم لاستقبال الرئيس السيراليوني جوليوس مادا بيو، مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر؛ بل هي إعلان واجهة لـ”غرفة عمليات سياسية” معقدة تشهدها العاصمة على مدى يومين.
- فالزيارة -وإن غُلّفت بطابع “العمل الثنائي”- تأتي في توقيت إقليمي حرج، تكاد تشتعل فيه النيران عند حواف منطقة غرب إفريقيا.
-تكمن “نارية” هذا اللقاء في هوية الضيف والمضيف؛ فارئيس الجمهورية /محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يقود البلاد بحنكة الهدوء الحذر وسط حزام ناري من الاضطرابات، يستقبل رئيس الرئاسة الدورية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
- هذه المنظمة التي تعيش أزهى فترات “انكسارها الجيوسياسي” بعد انسحاب دول الساحل الثلاث (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر)، تبحث اليوم عن طوق نجاة، أو على الأقل، عن “جسر وسيط” يمتلك الثقة والمسافة المتساوية من الجميع، وهو الدور الذي لا تجده “إيكواس” بامتياز إلا في نواكشوط.
-إن الزيارة تتجاوز ملفات التبادل التجاري التقليدي، لتغوص في عمق “الهندسة الأمنية الجديدة” للمنطقة.
-مادا بيو يعلم علم اليقين أن المقاربات الخشنة لـ”إيكواس” قد فشلت في احتواء أزمات الجوار، وأن العزل السياسي لم يزد القادة العسكريين في الساحل إلا عناداً وارتماءً في الأحضان الروسية (عبر فيلق إفريقيا).
-هنا، تصبح موريتانيا -بموقعها الاستراتيجي وعلاقاتها المتوازنة- هي “العقل المرجح” الذي يمكنه صياغة مقاربة واقعية تمنع الانفجار الشامل.
-خلف الأبواب المغلقة، لن تغيب ملفات التكامل الاقتصادي، لكنها ستكون بمثابة الغطاء لملفات أكثر سخونة: محاربة الإرهاب في الساحل، وتأثير تمدد النفوذ الدولي (الروسي-الصيني من جهة، والأمريكي-الفرنسي المتراجع من جهة أخرى).
- إنها زيارة “إعادة تموضع” يبحث فيها قادة المنطقة عن النجاة وسط أمواج جيوسياسية متلاطمة، وتثبت من خلالها نواكشوط مجدداً أنها الرقم الصعب في معادلة الاستقرار الإفريقي.
صوت الشعب الموريتاني:
في قراءة المشهد الدبلوماسي لزيارة الرئيس السيراليوني جوليوس مادا بيو إلى نواكشوط، نقف أمام شبكة معقدة من التوازنات الدولية والإقليمية التي لا يمكن إغفال أي من خيوطها:
-منظور “إيكواس” (البحث عن الشرعية والتماسك): يرى المحللون في أبوجا وفريتاون أن الزيارة هي محاولة ذكية من “إيكواس” لاستثمار الثقل الموريتاني. المنظمة تحتاج إلى “عرّاب” يحظى باحترام قادة مالي والنيجر وبوركينا فاسو لفتح قنوات حوار خلفية، وموريتانيا هي الأقدر على لعب دور “المصلح” الذي ينقذ ما تبقى من هيبة التكتل الإقليمي.
-المقاربة الوطنية (الحياد الإيجابي والاستقرار): تنطلق نواكشوط من رؤية استراتيجية واضحة: الاستقرار الكلّي هو الضامن للأمن القومي الموريتي.
القيادة الموريتانية لا تريد الانجرار إلى سياسة المحاور أو الصدام مع جيرانها في الساحل، وفي ذات الوقت، تحافظ على شراكة متينة مع دول “إيكواس” والمجتمع الدولي.
- الزيارة بالنسبة لنواكشوط هي تأكيد على دورها كـ “صمام أمان” ومركز ثقل دبلوماسي.
-حسابات القوى الدولية المتصارعة (بين الغرب والشرق):
-المعسكر الغربي (واشنطن وباريس): يراقب هذه التحركات بكثير من الأمل والحذر؛ فالغرب الخاسر الأكبر في الساحل يراهن على قادة مثل الغزواني ومادا بيو للحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق الأمني ومحاصرة التمدد الروسي.
-المعسكر الشرقي (موسكو وبكين): يرى في أي تقارب أمني قد تفضي إليه هذه القمم محاولة لتطويق نفوذه المتصاعد في دول الساحل، ولكنه في ذات الوقت يثق في براغماتية الدبلوماسية الموريتانية التي لن تقبل بأن تكون منطلقاً لسياسات المحاور الضيقة.
الخلاصة :
نحن أمام خطوة دبلوماسية شديدة الذكاء؛ فالرئيس السيراليوني لا يخاطب موريتانيا كدولة جارة فحسب، بل يخاطبها كـ “مفتاح” لحل أزمات المنطقة المستعصية.
والنجاح هنا لا يُقاس بحجم الاتفاقيات الثنائية الموقعة، بل بمدى القدرة على صياغة “أجندة إنقاذ” إقليمية تتسم بالواقعية وتأخذ في الاعتبار موازين القوى الجديدة على الأرض.