صوت الشعب الموريتاني |
في موريتانيا، حيث لا تزال الذاكرة الشفوية تختزن ملامح الهوية، وتحفظ الحكايات والأمثال والتعابير الشعبية جانبًا أصيلًا من وجدان المجتمع، لا يكون رحيل بعض الوجوه المألوفة مجرد غياب لشخص، بل خسارة لجزء من المشهد الثقافي والإنساني الذي صنعته العفوية، وصقلته التجربة، وخلّدته ابتسامات الناس.
وفي هذا السياق، نعت هيئة التراث الموريتاني، يوم الأربعاء، أباه ولد باياه ولد شعبان، المعروف شعبيًا بـ«لفكاك»، الذي وافاه الأجل في نواكشوط، بعد أيام من دخوله المستشفى، مخلفًا وراءه رصيدًا من الحضور الشعبي الذي ارتبط بالفكاهة العفوية وروح الدعابة.
واستحضرت الهيئة، في منشور على صفحتها الرسمية على فيسبوك، المكانة التي احتلها الراحل في الذاكرة الموريتانية، واصفة إياه بأنه أحد الوجوه الشعبية التي استطاعت أن تجعل من البساطة نافذة إلى قلوب الناس، ومن الدعابة لغة إنسانية تتجاوز حدود التكلّف، لتلتقي عندها مختلف الشرائح والأجيال.
ولم تكن موهبة لفكاك، كما أبرزت الهيئة، مجرد قدرة على انتزاع الضحك، بل كانت امتدادًا لثقافة شفوية غنية، تتجاور فيها الطرافة والحكمة، وتتداخل فيها خفة الروح مع عميق التجربة الإنسانية. وهي ثقافة ظلّت، عبر المجالس والحكايات والتعابير المتوارثة، إحدى القنوات التي تحفظ للمجتمع ذاكرته وتنقل ملامح هويته من جيل إلى آخر.
كما استمد الراحل حضوره من رصيد تراثي أصيل، تشكّل في بيئة الجنوب الموريتاني بما تختزنه من حكايات وتقاليد وتعبيرات شعبية تعكس خصوصية المجتمع وثراء مخياله. ومن هذا المعين، برزت عفويته بوصفها موهبة فطرية، جعلت منه وجهًا مألوفًا لدى جمهور واسع، واسمًا ارتبط في الأذهان بالابتسامة والقدرة على إضفاء البهجة على المجالس.
وإذ تنعى هيئة التراث الموريتاني لفكاك، فإنها تستحضر، في جوهر هذا النعي، قيمة الإنسان الذي يترك أثره في الناس دون أن يحتاج إلى منصب أو أضواء؛ فثمة وجوه تصنع حضورها بما تملكه من سلطة، وأخرى تسكن الذاكرة بما تمنحه من فرح، ويبدو أن الراحل كان من الصنف الثاني.
إن رحيل أصحاب المواهب الشعبية يذكّر بأهمية صون الذاكرة الشفوية الموريتانية، وتوثيق ما تختزنه من حكايات وأمثال وفنون تعبيرية وشخصيات صنعت حضورها في الوجدان العام؛ فهذه الذاكرة ليست مجرد حكايات للتسلية، بل رافد من روافد الهوية الوطنية، ومرآة تعكس روح المجتمع وتحولاته وطرائق تعبيره عن الحياة.
برحيل لفكاك، تفقد الساحة الشعبية وجهًا مألوفًا استطاع بعفويته أن يرسم الابتسامة على وجوه كثيرين، فيما تبقى ذكراه شاهدًا على أن بعض الناس يتركون أثرهم لا بما جمعوه من شهرة أو جاه، بل بما زرعوه في قلوب الآخرين من بهجة وألفة.
رحم الله لفكاك، وجعل ما أدخله من سرور على الناس شاهدًا طيبًا على أثره بينهم، وألهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.
( صوت الشعب الموريتاني)