صوت الشعب الموريتاني | قراءة في ما وراء التصريح.
-في تصريح يحمل أبعادًا سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي التقليدي، أعاد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وضع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أمام معادلته الأكثر تعقيدًا: قد تمنح القوة العسكرية إسرائيل تفوقًا في ميدان المواجهة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع أمنًا دائمًا، ولا أن تمحو شعبًا متجذرًا في أرضه.
وخلال حوار علني بمدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية، انتقد أوباما السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، محذرًا من الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي قادر على ضمان الأمن والاستقرار على المدى البعيد.
وأكد، وفقًا لما نقلته تقارير صحفية، أن نحو سبعة ملايين فلسطيني لن يغادروا أرضهم، في رسالة تختزل جانبًا جوهريًا من طبيعة الصراع: ما لا تستطيع القوة حسمه في الميدان، لا يمكن افتراض أنها ستنجح في حسمه سياسيًا أو تاريخيًا.
ولم يقف أوباما عند حدود التحذير الأمني، بل أشار إلى ما تعرض له الفلسطينيون من فقدان للأراضي، وإلى أن لديهم أسبابًا للمطالبة بحقوقهم، منتقدًا حكومة بنيامين نتنياهو، ومعتبرًا أن سياساتها تجاه الفلسطينيين أضعفت موقفها الأخلاقي.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يعيد التذكير بالفارق بين امتلاك أدوات القوة والقدرة على تحويلها إلى استقرار مستدام؛ فالأمن الذي يقوم على اختلال دائم في موازين القوة يظل معرضًا للاهتزاز، ما دامت جذور الصراع السياسية والحقوقية من دون معالجة عادلة.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو التصريح مجرد انتقاد لسياسات حكومة إسرائيلية بعينها، بل تنبيهًا إلى حدود المقاربة التي تختزل الصراع في الحسابات العسكرية، وتتجاهل أن القضية الفلسطينية ترتبط أيضًا بالأرض والحقوق والهوية والذاكرة التاريخية.
ومع ذلك، فإن تصريحات أوباما، على أهميتها السياسية، لا تمثل بالضرورة تحولًا في السياسة الأمريكية الرسمية، ولا تكفي وحدها لتغيير موازين الصراع؛ لكنها تضيف صوتًا سياسيًا أمريكيًا إلى النقاش بشأن كلفة استمرار النهج القائم، وحدود قدرته على إنتاج سلام قابل للحياة.
الخلاصة أن التفوق العسكري قد يفرض وقائع، لكنه لا يمنح بالضرورة شرعية دائمة، ولا يضمن سلامًا مستقرًا.
فحين تبقى الحقوق موضع نزاع، وتظل أسباب الصراع قائمة، يصبح الرهان على القوة وحدها تأجيلًا للأزمة أكثر منه طريقًا إلى حلها.
وفي قلب هذه المعادلة، تبقى الحقيقة التي يسلط تصريح أوباما الضوء عليها واضحة: الفلسطينيون ليسوا تفصيلًا عابرًا في حسابات الأمن الإقليمي، وأي تسوية مستدامة لا بد أن تأخذ حقوقهم وتطلعاتهم الوطنية في الحسبان، بالتوازي مع ضمان الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.
(صوت الشعب الموريتاني)