صوت الشعب الموريتاني | قراءة في تصريحات النائب بيرام ولد الداه ولد أعبيد
-لم يتوقف النائب بيرام ولد الداه ولد أعبيد عند حدود انتقاد الأسماء التي حملتها التشكيلة الحكومية الجديدة، بل ذهب إلى مساءلة المنطق الذي يحكم صناعة القرار في موريتانيا: من يختار الوزراء؟ وعلى أي أساس تُسند الحقائب السيادية الحساسة؟ وهل تُبنى التعيينات على معيار الكفاءة والتخصص، أم تحكمها اعتبارات التوازنات السياسية وإعادة توزيع النفوذ داخل منظومة الحكم؟
-في قراءته للتشكيلة الجديدة، يضع بيرام تعيينين على وجه الخصوص تحت مجهر النقد: إسناد وزارة الدفاع إلى شخصية مدنية، وتولي وزارة الشؤون الإسلامية من طرف شخصيات يرى أن خبرتها التخصصية في المجال لا تبدو واضحة.
ومن هذين المثالين، ينطلق إلى طرح أسئلة أوسع تتجاوز حدود التعديل الحكومي، لتلامس طبيعة إدارة الدولة ومستقبل التوازنات السياسية فيها.
-وزارة الدفاع.. مدنية المنصب لا تكفي دون كفاءة
يتوقف بيرام عند تعيين المدني عثمان با وزيرًا للدفاع، خلفًا للجنرال حننه ولد سيدي، الذي راكم خبرة عسكرية ومعرفة بملفات الأمن والاستراتيجية، خصوصًا في منطقة الساحل.
ولا يعترض النائب، وفق ما يطرحه في تصريحه، على مبدأ إسناد وزارة الدفاع إلى شخصية مدنية؛ فخضوع المؤسسة العسكرية لسلطة سياسية مدنية مبدأ جمهوري لا خلاف على أهميته. لكنه يميز بين مدنية المنصب وبين القدرة الفعلية على ممارسة صلاحياته، معتبرًا أن تغيير صفة الوزير لا يكفي وحده لضمان رقابة مدنية حقيقية على المؤسسة العسكرية.
ومن هنا يطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي يضيفه هذا التعيين إلى إدارة قطاع تتشابك فيه الحسابات العسكرية والأمنية والاستراتيجية، في منطقة لا تزال تواجه تحديات متصاعدة، وفي ظل توتر العلاقات مع مالي وحساسية الأوضاع على الحدود الموريتانية؟
فوزارة الدفاع، في نظره، ليست حقيبة إدارية عادية يمكن التعامل معها بمنطق التوزيع السياسي للمناصب، بل مؤسسة ترتبط قراراتها بأمن البلاد وسيادتها، ما يجعل الخبرة والقدرة على استيعاب الملفات الاستراتيجية عنصرين أساسيين في تقييم أي اختيار على رأسها.
وهنا تكمن المسألة التي يثيرها بيرام: ليس السؤال من المدني ومن العسكري، وإنما كيف يمكن ضمان الكفاءة والسلطة الفعلية والمساءلة داخل قطاع بالغ الحساسية؟
المؤسسة العسكرية والسياسة.. إصلاح للمؤسسات أم إعادة ترتيب للنفوذ؟
يوسع بيرام دائرة التساؤل، رابطًا بين التعيين الجديد والتطورات المتعلقة بمشاركة العسكريين المتقاعدين في الحياة السياسية، إلى جانب الأوضاع القضائية لبعض الشخصيات العسكرية التي اضطلعت بأدوار بارزة في المشهد العام، ومن بينها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز والجنرال المتقاعد لبات ولد معيوف.
ومن خلال هذه المقارنة، يطرح النائب احتمالين متباينين في تفسير اتجاه السلطة: أولهما أن تكون الإجراءات جزءًا من توجه مؤسسي يرمي إلى إبعاد المؤسسة العسكرية عن التنافس السياسي وتعزيز الفصل بين الوظيفة العسكرية والطموحات الشخصية إلى الحكم؛ وثانيهما أن تكون جزءًا من إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل المنظومة القائمة، بما يعيد رسم حدود التأثير السياسي لبعض الشخصيات.
والفارق بين الاحتمالين كبير؛ فالأول يعني بناء قواعد مؤسسية مستقرة تحكم العلاقة بين الجيش والسياسة، بينما يثير الثاني سؤالًا بشأن ما إذا كانت الترتيبات الجديدة تستهدف إصلاح قواعد اللعبة أم إعادة توزيع أوراقها بين مراكز القوة.
لكن هذه القراءة، مهما بدت وجيهة في سياق النقاش السياسي، تظل فرضيات تفسيرية تحتاج إلى قرائن ومعطيات مستقلة حتى تتحول إلى استنتاجات مؤكدة.
2029.. السؤال الذي يطل من خلف التعيينات
مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2029، يكتسب هذا النقاش بعدًا إضافيًا في تصريحات بيرام؛ إذ يتساءل عما إذا كانت التحولات الجارية تمهد، وفق قراءته، لمحاولة البقاء في السلطة لولاية ثالثة، بما يثيره ذلك من إشكال دستوري، أم أنها تعكس توجهًا نحو إعداد خلافة سياسية من داخل المنظومة الحاكمة، مع الحفاظ على استمرارية النظام وتغيير واجهته.
إنها أسئلة تتصل بمستقبل الحكم، لكنها لا تقدم، في حد ذاتها، دليلًا على وجود خطة محسومة لأي من السيناريوهين.
ومع ذلك، فإن طرحها يسلط الضوء على قضية أساسية في الحياة السياسية: كيف تُدار مرحلة ما قبل الاستحقاقات الكبرى؟ وما الضمانات التي تجعل التعيينات الحكومية خاضعة لمقتضيات الإصلاح والأداء، بدل أن تتحول إلى موضوع للتأويل بشأن الحسابات الانتخابية وموازين النفوذ؟
فالمعيار الحقيقي لتقييم التشكيلات الحكومية لا يكمن في استنتاج النيات وحده، بل في وضوح السياسات، ونتائج الأداء، واحترام الدستور، ومدى قدرة المؤسسات على العمل باستقلالية وفاعلية.
-وزارة الشؤون الإسلامية.. أين موقع الاختصاص وأهل العلم؟
-أما المحور الثاني في انتقادات بيرام، فيتعلق بوزارة الشؤون الإسلامية، التي يرى أن إسنادها في تعديلات حكومية متعاقبة إلى شخصيات لا تتضح خبرتها التخصصية في المجال يثير تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة في اختيار المسؤولين عن هذا القطاع.
ويستند اعتراضه إلى خصوصية الوزارة، باعتبارها قطاعًا يتطلب فهمًا لطبيعة الشأن الديني، ومعرفة بالمؤسسات العلمية، وإدراكًا لمكانة العلماء والأئمة وأهل الاختصاص في صياغة السياسات الدينية وتوجيهها.
ومن هذا المنطلق، يثير النائب سؤالًا بشأن ما إذا كان توزيع الحقائب الوزارية يمنح الاعتبار الكافي للتخصص والخبرة، أم أن بعض القطاعات تُعامل بوصفها مواقع إدارية قابلة للتداول السياسي، بصرف النظر عن طبيعة المهام التي تضطلع بها.
ولا يتعلق الأمر، في جوهره، بحصر إدارة الوزارة في فئة بعينها، بقدر ما يتعلق بضرورة أن يجمع المسؤول بين القدرة الإدارية والإلمام بطبيعة القطاع، وأن يستفيد من الخبرات العلمية المتخصصة في صياغة السياسات وتنفيذها.
فالشأن الديني، بحساسيته الاجتماعية والعلمية، يحتاج إلى إدارة تدرك خصوصيته، وتحسن التواصل مع المرجعيات العلمية، وتستطيع تحويل الأهداف المعلنة إلى برامج واضحة ونتائج ملموسة.
الوزارة ليست مدرسة لتعلّم المسؤولية على حساب المصلحة العامة
-من التعيين في وزارة الدفاع إلى الجدل حول وزارة الشؤون الإسلامية، يلتقي انتقاد بيرام عند قضية مركزية: العلاقة بين اختيار المسؤولين وفاعلية الدولة.
فالوزارة، وفق المنطق الذي يدافع عنه النائب، ليست مساحة للتجريب الإداري، ولا منصبًا يُمنح ثم يبدأ صاحبه في اكتشاف طبيعة ملفاته بعد توليه المسؤولية. إذ يحتاج كل قطاع إلى معرفة متراكمة، ورؤية واضحة، وقدرة على اتخاذ القرار، وفريق عمل قادر على تحويل السياسات إلى إنجازات.
كما أن التعديلات الحكومية المتكررة، حين لا تستند إلى أهداف معلنة ومؤشرات أداء واضحة، قد تضعف الاستمرارية المؤسسية، وتستهلك الوقت في انتقال المسؤوليات وإعادة ترتيب الأولويات، بدل توجيهه إلى تنفيذ البرامج وخدمة المواطنين.
لكن تقييم أي وزير يظل مرتبطًا أيضًا بما يملكه من أدوات، وبحدود صلاحياته، والموارد المتاحة له، والنتائج التي يحققها خلال فترة توليه المنصب. فالمعيار المهني لا ينبغي أن يقتصر على الانطباعات المسبقة عن الشخص، وإنما يشمل الأداء الفعلي ومدى تحقيق الأهداف المعلنة.
-من توزيع الحقائب إلى بناء الدولة:
في المحصلة، تتجاوز تصريحات بيرام ولد الداه ولد أعبيد الجدل حول اسم الوزير المدني في وزارة الدفاع أو طبيعة التعيينات في وزارة الشؤون الإسلامية، لتطرح سؤالًا أوسع عن فلسفة تشكيل الحكومات في موريتانيا: هل تُختار الكفاءات وفق متطلبات القطاعات، أم تتقدم اعتبارات التوازنات السياسية على مقتضيات الاختصاص والإنجاز؟
إن جوهر هذا النقاش لا يكمن في مدنية الوزير أو خلفيته المهنية وحدهما، ولا في الانتماء إلى هذه المؤسسة أو تلك، بل في وجود معايير واضحة وشفافة للاختيار، وتحديد المسؤوليات، وربط السلطة بالمحاسبة، وقياس النجاح بما يتحقق على أرض الواقع.
فالدولة لا تُقاس بكثرة التعديلات الحكومية، ولا بعدد الحقائب التي يعاد توزيعها، وإنما بقدرة مؤسساتها على إنتاج السياسات الفاعلة، وصون الأمن، وتحسين الخدمات، وترسيخ الثقة بين المواطن والسلطة.
وبين أسئلة الكفاءة وموازين النفوذ واستحقاقات 2029، يضع بيرام التشكيلة الحكومية أمام اختبار سياسي ومؤسسي أوسع من مجرد تغيير الأسماء: هل تكون الحكومة الجديدة مدخلًا لتطوير أداء الدولة، أم تظل التعديلات محكومة بمنطق إعادة ترتيب المواقع داخل السلطة؟
الإجابة النهائية لن تحسمها التأويلات وحدها، بل ما ستكشف عنه السياسات والقرارات والنتائج، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين ومستقبل المؤسسات.
(صوت الشعب الموريتاني): قراءة في تصريحات النائب بيرام ولد الداه ولد أعبيد ، بتاريخ 11 أكتوبر 2026.