عشرية الگزّانة وعشرية المدوّنين
حطي الگزانة في العشرية الأولى، بحظوة كبيرة وحضور قوي، من ضاربي الرمل والخط عليه، وقارعي الودع، وممتهني العرافة والحَجابة، مستفيدين من فراغ روحي، وضعف في الوعي، واستعداد لدى بعض الأوساط المترفة لتصديق الخرافة والبحث عن المعرفة الغيبية خارج العقل والدين.
وقد تجاوز حضور الگزانة حدود البيوت الخاصة، ليصل إلى محيط بعض أصحاب السلطة والمال، من زوجات الوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال إلى أزواجهن أنفسهم.
ومن الأسماء التي ذاع صيتها آنذاك فالَهْ منت أَحْمَدْ، التي نالت حظا كبيرا من النفوذ، حتى شاع وصفها بـ«عرافة القصر الرئاسي» أو «كزّانة القصر»، وترددت روايات عن تدخلها في التعيينات والإقالات، وعن ما نالته من أموال وقطع أرضية وسيارات.
ثم ظهرت “امروم”، المهاجرة من إقليم أزواد، لتدخل بدورها مجالاً راكم لبعض ممارسيه الثروة والمكانة، فحظيت بمنزلة ضاهت منزلة فاله.
ولم يكن سر نفوذ هؤلاء في امتلاكهم معرفة خارقة، وإنما في استعداد بعض النافذين لمنحهم سلطة لا يستحقونها، وفي تحويل الخرافة إلى وسيلة للتأثير في القرار، فالنفوذ، في مثل هذه الحالات، لا تصنعه قدرات صاحبه وحدها، بل تصنعه أيضاً قابلية المحيط لتصديقه والاستعانة به.
انقضت تلك العشرية، وأفل نجم الگزّانات، واختفى حضورهن في المجال العام، لتبدأ مقاربة أخرى.
لقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً واسعاً للتعبير والنقد وكشف الاختلالات، ومنحت المواطنين قدرة على مساءلة المسؤولين ومتابعة الشأن العام، وهذه مكاسب لا ينبغي التقليل من شأنها.
غير أن اتساع هذا المجال أتاح، في المقابل، لبعض الممارسات أن تتخفى وراء شعارات المعارضة أو الصحافة أو محاربة الفساد، بينما تختلط فيها أحياناً المصلحة العامة بالحسابات الخاصة.
وقد برزت في الآونة الأخيرة، في بعض ما يُتداول عن مدوّني الخارج، ظاهرة استخدام ملفات حساسة تتعلق بالفساد والاختلاس والمحاباة والزبونية، ثم تقديمها في بثوث ومنشورات تستقطب المتابعين وتستثمر في وقع المعلومات وأثرها.
بدأ الأمر بكشف وقائع تستحق التحقيق والمساءلة، لكنه انحرف، في بعض الحالات، إلى الابتزاز والتشهير والقذف والخوض في الأعراض، حيث تتراجع قيمة الدليل أمام إغراء الإثارة، ويصبح النشر غاية في ذاته، بصرف النظر عن دقة المعلومات أو مشروعية الوسيلة.
ومن هنا بدأ نفوذ المدونين خاصة مدوني الخارج لوجودهم خارج سلطة الدولة وعصا قانون الرموز، ففتحوا المجال أمام تصفية الحسابات بين أجنحة متصارعة في النظام، وبدأ المال يلعب لعبته، من إغراء للمدونين، وابتزازا للضحية لإزالة المنشور وشراء الصمت.
وهنا برز سؤال مهم عن مصدر المعلومات والملفات؟
فحين تتعلق المنشورات والبثوث بوثائق أو معلومات لا تتاح عادة إلا من داخل المؤسسات، يصبح من المشروع التساؤل عن مصادرها، وعن احتمال وجود أطراف تمد بعض المدوّنين بها لتحقيق أغراض لا تتصل بالضرورة بالمصلحة العامة.
فقد يكون الهدف كشف فساد حقيقي، وقد يكون تصفية حسابات شخصية، أو الضغط على مسؤول، أو إقصاء منافس، أو تحقيق منفعة مقابل التوقف عن النشر.
لكن هذه الاحتمالات، مهما كانت جديرة بالفحص، لا يجوز تحويلها إلى اتهامات ثابتة من دون أدلة، كما أن محاربة الفساد لا تكون بابتزاز المشتبه بهم، وفضح التجاوزات لا يمنح أحداً حصانة من المساءلة عن القذف والتشهير.
ومن يملك وثائق عن فساد، فالأصل أن يقدمها إلى الجهات المختصة، وأن ينشر ما يستطيع إثباته بمسؤولية، لا أن يحوّلها إلى ورقة ابتزاز، أو سلعة للمساومة.
وهنا يتجلى وجه الشبه بين العشريتين في تحقيق المآرب، ففي الأولى، كان بعض أصحاب النفوذ يلجؤون إلى الگزّانة طلباً لما يتوهمونه من معرفة بالغيب أو قدرة على التأثير في المصائر.
وفي الثانية، يلجأ البعض إلى مدوّنين يمتلكون جمهوراً واسعاً وقدرة على صناعة الضغط الإعلامي، أو يستعينون بهم من وراء الستار لتحقيق أهداف ليست نبيلة بالضرورة.
كامل الود