نواكشوط – صوت الشعب الموريتاني
حريق محطتي نواكشوط يفتح باب المساءلة.. الغزواني يأمر بنشر تقرير التحقيق ويضع الحكومة أمام اختبار التنفيذ
لم يعد ملف حريق محطتي الكهرباء في نواكشوط مجرد حادث تقني خلّف انقطاعات واسعة للتيار، بل تحول إلى قضية رأي عام تنتظر إجابات واضحة حول الأسباب والملابسات وحدود المسؤولية.
وفي خطوة تضع نتائج التحقيق على طاولة الشارع الموريتاني، أعلنت الرئاسة أن الرئيس محمد ولد الغزواني وجّه الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة وفق التوصيات التي خلص إليها تقرير لجنة التحقيق المكلفة بالحادثة، مع التشديد على نشر التقرير وإتاحته للرأي العام.
وقالت الرئاسة إن الرئيس اطّلع على مسار عمل اللجنة وأبرز خلاصات تقريرها النهائي، عقب استكمالها للمهام التي أوكلت إليها، بما في ذلك تقصي الحقائق والوقوف على ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات المرتبطة به.
وجاء ذلك خلال استقبال الرئيس للوزير الأول المختار ولد اجاي، ورئيس لجنة التحقيق الوزير السابق عثمان كان، حيث تسلم التقرير النهائي للجنة، بعد أن كان الوزير الأول قد تسلمه في وقت سابق.
وتعود القضية إلى الحريقين اللذين اندلعا يومي 21 و22 أغسطس الماضي في محطتي الكهرباء بنواكشوط الشمالية والغربية التابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، وهو ما تسبب في اضطرابات وانقطاعات واسعة للتيار الكهربائي عن أجزاء كبيرة من العاصمة لعدة أيام، وأثار موجة من التساؤلات الشعبية حول جاهزية المنظومة الكهربائية وسبل تأمينها.
وعقب الحادث، أصدر الرئيس في 25 أغسطس قرارًا بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، أعلنت عنها الحكومة، بهدف تحديد الأسباب الجذرية للحريق، والكشف عن أوجه القصور المحتملة، وتحديد المسؤوليات ذات الصلة.
وخلال فترة عملها، استمعت اللجنة إلى عشرات المسؤولين والموظفين في شركة «صوملك»، إلى جانب ممثلين عن شركات موردة، في مسعى لتفكيك سلسلة الوقائع التي سبقت الحريق والوقوف على مكامن الخلل، سواء تعلق الأمر بالتجهيزات أو الصيانة أو الإدارة أو إجراءات السلامة.
لكن نشر التقرير لن يكون نهاية القصة، بل قد يكون بدايتها الفعلية.
فالرأي العام لا ينتظر فقط معرفة كيف اندلع الحريق، وإنما يريد أن يعرف أيضًا: هل كان الحادث نتيجة خلل فني عابر؟ أم أن وراءه تراكمًا من الاختلالات في الصيانة والتسيير والرقابة؟ وهل تكشف التوصيات عن مسؤوليات إدارية أو تقنية محددة؟ والأهم، هل ستتحول هذه التوصيات إلى إجراءات ملموسة، أم ستبقى حبيسة الملفات والتقارير؟
في المقابل، سيكون على الحكومة أن توازن بين حق المواطنين في معرفة الحقيقة، وبين ضرورة احترام الإجراءات القانونية وعدم تحويل تقرير التحقيق إلى أحكام مسبقة قبل استكمال أي مسارات إدارية أو قضائية قد تترتب عليه.
وبذلك ينتقل ملف المحطتين من مرحلة البحث عن الحقيقة إلى مرحلة أكثر حساسية: ماذا ستفعل الدولة بهذه الحقيقة؟
وهنا تحديدًا سيكون معيار نجاح التحقيق ليس في عدد الصفحات التي يتضمنها التقرير، وإنما في قدرة المؤسسات على تحويل توصياته إلى إصلاحات تمنع تكرار الحادث وتعيد الثقة إلى منظومة الكهرباء، وتجيب للرأي العام عن السؤال الذي ظل معلقًا منذ أغسطس: من أين بدأ الخلل، ولماذا وصل إلى هذه النتيجة؟
من نار المحطات إلى نار الأسئلة.. تقرير الكهرباء يضع الحكومة أمام امتحان الشفافية والمساءلة
حريق محطتي الكهرباء في نواكشوط لم يكن مجرد عطل فني مرّ وانتهى بانتهاء الانقطاعات؛ فقد ترك خلفه سؤالًا أكبر من الحريق نفسه: هل كشفت النيران خللًا طارئًا، أم أزاحت الستار عن اختلالات أعمق داخل منظومة يفترض أن تكون في قلب أمن العاصمة واستقرار حياة المواطنين؟
قرار الرئيس محمد ولد الغزواني نشر تقرير لجنة التحقيق يمثل، من حيث المبدأ، خطوة مهمة في اتجاه إخراج الملف من دائرة التكهنات إلى فضاء المعلومات الرسمية. وهي خطوة تكتسب أهميتها من كون الرأي العام كان شريكًا مباشرًا في تداعيات الحادث، بعدما عاش أيامًا من الاضطراب الكهربائي واسع النطاق.
لكن الشفافية الحقيقية لا تُقاس بمجرد نشر التقرير.
الاختبار الأصعب يبدأ بعد النشر.
فإذا كان التقرير قد حدد مكامن الخلل والمسؤوليات وقدم توصيات واضحة، فإن السؤال المركزي سيكون حول آليات تنفيذها، ومن سيتحمل المسؤولية عن أوجه التقصير إن ثبت وجودها، وما إذا كانت الدولة ستذهب بالإصلاح إلى جذور المشكلة أم ستكتفي بمعالجة آثارها.
وفي المقابل، تفرض المهنية والعدالة عدم استباق نتائج التقرير أو تحويل أي ملاحظات فنية أو إدارية إلى إدانات سياسية أو شخصية. فالمساءلة الجادة لا تعني البحث عن كبش فداء، وإنما تحديد المسؤوليات وفق الوقائع والأدلة والإجراءات القانونية.
ومن زاوية أخرى، تطرح القضية سؤالًا أوسع يتعلق بإدارة البنية التحتية الحيوية في البلاد: هل تمتلك منظومة الكهرباء ما يكفي من خطط الصيانة والوقاية والاستجابة للطوارئ؟ وهل توجد آليات رقابة فعالة تمنع تراكم الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات؟
لهذا فإن أهمية التقرير لا تكمن فقط في تفسير ما حدث في محطتي نواكشوط، بل في قدرته على الإجابة عن سؤال المستقبل: كيف نضمن ألا يتكرر المشهد؟
الحكومة اليوم أمام معادلة دقيقة: عليها أن تكشف الحقيقة كاملة، وتحمي حق المواطنين في المعرفة، وتحاسب عند ثبوت المسؤولية، وفي الوقت نفسه تحافظ على المسار القانوني والمؤسسي بعيدًا عن التسييس أو التصفية.
أما الرأي العام، فلن يقيس نجاح اللجنة بعدد الاجتماعات التي عقدتها ولا بعدد المسؤولين الذين استمعت إليهم، بل بما سيحدث بعد التقرير.
فالتقرير الذي لا يتحول إلى قرار، والقرار الذي لا يتحول إلى إصلاح، قد يشرح الأزمة لكنه لا يمنع تكرارها.
ومن هنا، فإن ملف حريق محطتي الكهرباء قد يصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة الموريتانية على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى منع الأزمات قبل وقوعها.
وهذه هي النقطة التي تستحق أن يبقى عندها النقاش الوطني طويلًا.
صوت الشعب الموريتاني


