إطلاق نار كثيف وانفجارات تهز العاصمة النيجرية.. هجوم يستهدف منشأة عسكرية ومحيط الرئاسة، والسلطات تعلن استعادة السيطرة
لم يكن فجر نيامي عادياً.
ففي الساعات الأولى من صباح السبت، استيقظت العاصمة النيجرية على وقع إطلاق نار كثيف وانفجارات دوّت في أكثر من نقطة، فيما بدا أن الهجوم لم يكن بعيداً عن قلب المشهد السياسي والأمني للبلاد؛ إذ تحدثت مصادر أمنية عن استهداف مطار نيامي الدولي ومحاولة مهاجمين اختراق الطوق الأمني المحيط بمقر الرئاسة.
مشهدٌ أمني ثقيل في عاصمة تعيش منذ انقلاب يوليو/تموز 2023 تحت إدارة عسكرية، وتواجه في الوقت نفسه تحديات أمنية متصاعدة على جبهات متعددة.
الرصاص يقترب من مركز القرار
بحسب ٱخر الأخبار، كان إطلاق النار كثيفاً ومتواصلاً، ولا سيما في محيط القصر الرئاسي، قبل أن يتجدد إطلاق النار بالقرب من مطار نيامي الدولي.
وتقول مصادر أمنية إن مسلحين شنوا الهجوم على المطار، بالتزامن مع محاولة اختراق الطوق الأمني المحيط بمقر الرئاسة، في تطور يكتسب حساسية خاصة بسبب موقع الأهداف التي جرى استهدافها.
وأفاد مصدر أمني بأن قوات الأمن نفذت عمليات تفتيش واسعة عقب الهجوم، مؤكداً “تحييد” عدد من المهاجمين، بينما تمكن آخرون من الفرار.
وبينما لم تتضح حتى الآن كل تفاصيل العملية، فإن اختيار مواقع عسكرية وأمنية حساسة في قلب العاصمة يمنح الهجوم بعداً يتجاوز مجرد حادث أمني عابر، ويضع جاهزية المنظومة الأمنية النيجرية أمام اختبار جديد.
القاعدة 101.. قلب عسكري في قلب العاصمة
من جهته، قال بانا واجانا إبراهيم، عضو مكتب المجلس الاستشاري في النيجر ونائب في برلمان تحالف دول الساحل، إن المهاجمين استهدفوا القاعدة العسكرية 101، وهي إحدى المنشآت العسكرية الرئيسية في نيامي.
وكتب إبراهيم عبر صفحته على “فيسبوك” أن الهجوم كان “جباناً”، مؤكداً أن قوات الدفاع والأمن تمكنت من استعادة السيطرة على الوضع.
لكن أهمية القاعدة المستهدفة لا تنفصل عن دلالة المكان والزمان؛ فحين يصل الهجوم إلى منشأة عسكرية رئيسية في العاصمة، ويتزامن مع إطلاق نار قرب محيط الرئاسة والمطار، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن أطلق النار، وإنما أيضاً بمدى قدرة الأجهزة الأمنية على منع انتقال التهديد من الأطراف إلى قلب الدولة.
انقلاب غيّر البوصلة.. والأمن ما زال العقدة الأصعب
منذ انقلاب يوليو/تموز 2023 الذي أطاح الرئيس محمد بازوم، دخلت النيجر مرحلة سياسية وأمنية مختلفة جذرياً.
السلطات العسكرية بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني أعادت رسم شبكة تحالفاتها، مبتعدة عن حلفائها الغربيين التقليديين، ومتجهة بصورة أكبر نحو روسيا، في مسار يتقاطع مع خيارات مالي وبوركينا فاسو.
الدول الثلاث لم تكتفِ بإعادة ترتيب تحالفاتها، بل أسست تحالف دول الساحل، في محاولة لبناء مظلة أمنية وسياسية إقليمية أكثر استقلالاً عن القوى الغربية.
غير أن تغيير البوصلة السياسية لم يضع حداً للمأزق الأمني.
فالجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش” ما تزال تنشط في مناطق مختلفة من منطقة الساحل، بينما تواجه الحكومات العسكرية الثلاث معادلة شديدة التعقيد: بناء منظومة أمنية جديدة، وفي الوقت نفسه احتواء تهديدات مسلحة عابرة للحدود.
هجوم جديد.. وذاكرة أمنية مثقلة بالدم
الهجوم الأخير يأتي في سياق أمني مضطرب شهدت خلاله النيجر سلسلة من الهجمات الدامية.
وفي مارس/آذار الماضي، قُتل ما لا يقل عن 44 مدنياً في هجوم بجنوب غرب البلاد، فيما شهد محيط مطار نيامي الدولي هجوماً سابقاً في يناير/كانون الثاني.
وبذلك لا تبدو العاصمة معزولة عن المشهد الأمني الأوسع الذي يضرب البلاد؛ بل إن انتقال الهجمات إلى منشآت تقع في قلب نيامي يضيف طبقة جديدة من القلق إلى المشهد.
فالعواصم عادةً هي آخر خطوط الحماية، والمنشآت العسكرية والمطارات ومقار الحكم هي العناوين الأكثر حساسية في أي معادلة أمنية.
وحين يصبح بعضها هدفاً مباشراً، فإن المسألة تتحول من مواجهة تهديد على الأطراف إلى معركة على صورة الدولة وهيبتها وقدرتها على حماية مركزها.
نيامي أمام اختبار جديد
تقول السلطات إن الوضع بات تحت السيطرة، وإن قوات الأمن تمكنت من التعامل مع المهاجمين واستعادة زمام المبادرة.
لكن السيطرة الميدانية لا تعني بالضرورة انتهاء الأسئلة.
فالهجوم يفتح مجدداً ملف قدرة الأجهزة الأمنية في النيجر على حماية العاصمة، وتأمين المنشآت الحيوية، ومنع الجماعات المسلحة من نقل عملياتها إلى مواقع ذات قيمة سياسية وعسكرية ورمزية عالية.
وفي منطقة الساحل، حيث تتقاطع هشاشة الحدود، وانتشار الجماعات المسلحة، والتحولات الجيوسياسية، لم يعد الأمن مجرد مسألة عسكرية؛ بل أصبح اختباراً يومياً لشرعية السلطة وقدرتها على ترجمة وعودها إلى واقع.
وفي نيامي، كان الرصاص هذه المرة قريباً جداً من قلب الدولة.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً بعد انحسار دوي الانفجارات: هل كان الهجوم مجرد محاولة فاشلة لضرب منشأة عسكرية، أم أنه رسالة أمنية أبعد من أهدافه المباشرة.
“صوت الشعب الموريتاني”