آخر الأخبار
صوت الشعب الموريتاني/ ولد اجاي يرفع سقف المحاسبة: لا عبث بالمال العام ولا تهاون مع حقوق الشباب. صوت الشعب الموريتاني/ من الدوحة إلى واجهة الحكومة.. وداع دبلوماسي يفتح لمحمد ولد ببانه اختباراً سياسياً جديداً صوت الشعب الموريتاني/ جون أفريك:«ما وراء التعديل الحكومي في موريتانيا.. من يتهيأ لمرحلة ما بعد غزواني؟». صوت الشعب الموريتاني/ أم القنابل في مواجهة إيران.. حين تصطدم القوة النارية بحسابات الميدان. صوت الشعب الموريتاني/ لفكاك.. حين يرحل صانع الابتسامة وتبكي الذاكرة الشعبية أحد حراسها . صوت الشعب الموريتاني/ أوباما يفكك معادلة القوة الإسرائيلية: سبعة ملايين فلسطيني لا ترحلهم الجيوش، والتفوق العسكري لا يصنع سلامًا. صوت الشعب الموريتاني/ تعديلات في مفاصل الإدارة الموريتانية.. مجلس الوزراء يعيد توزيع الأوراق ويختبر رهانات المرحلة الجديدة. صوت الشعب الموريتاني/ «ما وراء إقالة وزيري السيادة.. هل بدأت معركة ما بعد غزواني؟» صوت الشعب الموريتاني/ الصحفي : محمد أحمدو محمذ فال – يكتب: إقالة وزيري الداخلية والدفاع.. رسالة في اتجاهين صوت الشعب الموريتاني/ المغرب يعيد رسم خريطة السلطة.. أربعة أحزاب على أعتاب أغلبية حكومية جديدة.
صوت الشعب الموريتاني/ النار التي كشفت ما وراء الأسلاك: نواكشوط تستعيد الكهرباء… والتحقيق يفتح دفتر الأسئلة الكبرى.
أخبار 28 أغسطس 2026 | شهرين ago

صوت الشعب الموريتاني/ النار التي كشفت ما وراء الأسلاك: نواكشوط تستعيد الكهرباء… والتحقيق يفتح دفتر الأسئلة الكبرى.

نواكشوط تستعيد الكهرباء… والتحقيق يفتح دفتر الأسئلة الكبرى

ـ صوت الشعب الموريتاني:

-لم تكن نواكشوط، خلال الأيام الماضية، تعيش مجرد انقطاعات كهربائية عابرة.

كانت العاصمة تختبر، على نحو قاسٍ ومفاجئ، مدى صلابة شريان حيوي لا يمكن أن تتوقف عنده الإنارة وحدها؛ فحين تهتز شبكة الكهرباء، تهتز معها المياه والمستشفيات والمصالح والخدمات، ويصبح العطل التقني في لحظة ما شأناً عاماً يمس حياة الناس وأمنهم اليومي.

حريقان متتاليان في محطتي تحويل كهربائيتين، اضطراب واسع، حالة استنفار، تدخلات فنية متواصلة، ثم خمسة أيام من العمل انتهت بعودة المحطتين إلى كامل طاقتهما.

لكن عودة الضوء لم تُنهِ القصة.

لقد نقلتها فقط من غرف العمليات الفنية إلى غرفة التحقيق.

وهناك، تحديداً، يبدأ السؤال الأصعب.

النهاية السريعة للأزمة… والبداية البطيئة للحقيقة

-تمكنت مجموعة صوملك من إعادة تشغيل المحطتين المتضررتين، واستعادة الاستقرار في شبكة العاصمة بعد تدخلات فنية مكثفة.

وهو إنجاز ينبغي تسجيله في ميزان إدارة الأزمة، خصوصاً أن الأولوية في اللحظات الأولى كانت إنقاذ الخدمة ومنع امتداد تداعيات الانقطاع إلى المرافق الحيوية.

غير أن إدارة ما بعد الكارثة تختلف عن إدارة لحظة وقوعها.

فالفني الذي يدخل إلى المحطة لإعادة تشغيلها يبحث عن حل عاجل يعيد التيار، بينما المحقق الذي يدخل إليها يبحث عن شيء آخر تماماً:

أين بدأ الخلل؟ ولماذا؟ وهل كان متوقعاً؟ وهل كان يمكن منعه؟

وبين السؤالين تقع المسافة الفاصلة بين إطفاء الحريق ومعالجة أسبابه.

حين يصبح الحريق سؤالاً وطنياً.

-قرار تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لم يأتِ في فراغ.

فخطورة ما حدث، واتساع تداعياته، جعلا الملف يتجاوز حدود العطل الفني إلى مستوى يتعلق بسلامة منشآت استراتيجية وبجاهزية منظومة كاملة للتعامل مع المخاطر.

اللجنة، التي يرأسها الوزير السابق كان عثمان، وتضم شخصيات من دوائر رقابية وفنية وخبراء دوليين، أمام مهمة تتجاوز البحث عن نقطة اشتعال.

المطلوب منها، وفق المهمة المعلنة، تفكيك الحادثة طبقة طبقة: الوقائع، الأسباب، العوامل المساعدة، الإخلالات المحتملة، المسؤوليات، آثار الحريقين، ثم تقييم طريقة التدخل والإطفاء والاستجابة، وصولاً إلى توصيات تمنع تكرار السيناريو.

وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في التحقيق.

فالحريق قد يكون حادثاً، لكن تكرار الحريق يصبح مؤشراً على خلل.

ثلاثون يوماً… هل تكفي لقراءة ما وراء الدخان؟

-منحت اللجنة ثلاثين يوماً لتقديم تقريرها، مع إمكانية تمديد المهمة خمسة عشر يوماً مرة واحدة.

لكن قيمة التحقيق لن تقاس بعدد الصفحات ولا بسرعة صدور التقرير.

ستقاس بقدرته على الإجابة عن الأسئلة التي تشكلت في ذهن المواطن خلال أيام الانقطاع.

هل يتعلق الأمر بعطل مفاجئ لا يمكن توقعه؟

أم أن هناك مؤشرات سابقة لم تُقرأ كما ينبغي؟

هل كانت برامج الصيانة والوقاية كافية؟

هل كانت أنظمة الحماية والإطفاء والاستجابة بالمستوى المطلوب؟

وهل تكشف الحادثتان عن مشكلة في منشأتين بعينهما، أم عن أسئلة أوسع تتعلق بسلامة البنية الكهربائية للعاصمة؟

-هذه أسئلة فنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها أسئلة تتعلق بالإدارة والحوكمة والمسؤولية العامة.

المعدات الجديدة… رواية تصطدم بالوقائع

خلال الأزمة، ظهرت معلومات وتكهنات تربط الحريقين بتجهيزات كهربائية جديدة ضمن مشاريع تطوير شبكة نواكشوط.

غير أن الوزير الأول المختار ولد أجاي قدم رواية رسمية مختلفة، مؤكداً أن التجهيزات التي دار حولها الجدل لم تكن مركبة في المحطتين اللتين تعرضتا للحريق، وأن بعضها ما يزال في المخازن أو في طريقه إلى العاصمة.

وهنا ينبغي أن يتوقف الصحفي قبل أن يتوقف المواطن.

فالتحقيق المهني لا يبنى على التداول، ولا على سرعة انتشار الرواية، وإنما على مطابقة الروايات بالوثائق والمعاينات الفنية.

وإذا ثبتت المعطيات الرسمية، فإن بوصلة البحث ستتجه تلقائياً إلى سؤال آخر:

إذا لم تكن التجهيزات الجديدة هي المعنية، فما الذي جرى داخل منشآت قائمة منذ أكثر من عقد؟

عمر المنشأة ليس اتهاماً… لكنه سؤال

المحطتان، بحسب المعطيات الرسمية، شُيدتا خلال عامي 2014 و2015.

وهذا التاريخ لا يحمل، في حد ذاته، حكماً على كفاءة المنشآت أو سلامتها.

لكن عمر المنشأة يفتح باباً مشروعاً للتحقيق في منظومة الصيانة والتحديث والاستبدال، وفي مدى ملاءمة التجهيزات القديمة للضغط المتزايد على الشبكة.

فالبنية التحتية لا تقاس فقط بتاريخ إنشائها، وإنما أيضاً بما خضعت له منذ ذلك التاريخ من صيانة، وتأهيل، وفحوص، وتحديث، وإجراءات حماية.

ومن هنا تصبح مهمة اللجنة أكبر من العثور على «سبب تقني».

إنها مطالبة، بصورة أو بأخرى، بإعادة رسم السلسلة الكاملة التي سبقت الحريق.

لماذا غابت صوملك ووزارة الطاقة عن طاولة التحقيق؟

من أكثر عناصر الملف إثارة للاهتمام أن تشكيلة لجنة التحقيق لا تضم ممثلين مباشرين عن وزارة الطاقة أو مجموعة صوملك، بينما تضم مؤسسات رقابية وشخصيات فنية وخبراء دوليين.

وقد يُقرأ ذلك باعتباره محاولة لمنح التحقيق قدراً أكبر من الاستقلالية عن الجهات التي تدير القطاع والمنشآت المعنية.

لكن استقلال اللجنة لن يُحسم بالتشكيلة وحدها.

السؤال الحقيقي سيكون: هل ستتمكن من الوصول إلى الوثائق الفنية؟ سجلات الصيانة؟ تقارير الأعطال السابقة؟ عقود الصيانة؟ إجراءات السلامة؟ تقارير التفتيش؟ ومعطيات التشغيل؟

فالحقيقة لا تسكن في قاعة الاجتماعات، بل في الوثيقة والسجل والميدان وشهادة أهل الاختصاص.

بين تثمين الأداء والمطالبة بالمحاسبة

-ومن الإنصاف، مهنياً، ألا يتحول التحقيق إلى محاكمة إعلامية.

فقد استطاعت الفرق الفنية خلال فترة وجيزة إعادة الخدمة إلى العاصمة، كما اتخذت الجهات الحكومية إجراءات للحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية.

لكن التثمين لا يعني إلغاء المساءلة، والمساءلة لا تعني الإدانة.

وهذه المعادلة هي جوهر الصحافة المهنية.

فالهدف ليس البحث عن متهم جاهز لإرضاء الغضب الشعبي، وإنما معرفة ما إذا كانت هناك أخطاء أو إخلالات، ومن ثم تحديد طبيعتها والمسؤول عنها وفق ما تثبته الأدلة.

لا قداسة للمؤسسة أمام الحقيقة، ولا إدانة لشخص قبل الدليل.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد عودة التيار

أعلنت صوملك، بالتوازي مع استعادة الخدمة، عن مراجعة إجراءات تأمين محطات التحويل وتطويرها.

وهذه ربما تكون أهم نتيجة عملية يمكن أن تخرج بها الأزمة حتى قبل صدور التقرير.

فالتحقيق الناجح ليس الذي يصف الماضي فقط، بل الذي يمنع المستقبل من تكراره.

وإذا كانت الحادثتان قد كشفتا ثغرة، فالمطلوب سدها.

وإذا كشفتا قصوراً في الصيانة، فالمطلوب إصلاحه.

وإذا أثبتتا أن أنظمة الحماية تحتاج إلى تحديث، فالتحديث يصبح أولوية لا خياراً.

وإذا انتهى التحقيق إلى عدم وجود تقصير، فإن ذلك أيضاً يجب أن يُقال بوضوح، حتى لا تبقى الشائعات أكثر حضوراً من الحقيقة.

الخلاصة: الضوء عاد… فهل تعود الثقة؟

اليوم أضاءت نواكشوط من جديد.

لكن ما بقي مشتعلاً هو السؤال.

ثلاثون يوماً ليست مجرد مهلة إدارية للجنة التحقيق؛ إنها مهلة لاختبار قدرة المؤسسات على تقديم إجابة تقنع الرأي العام، وتفصل بين الواقعة والتأويل، وبين الخطأ والمسؤولية، وبين الصدفة والخلل البنيوي.

لقد عادت الكهرباء إلى البيوت والمرافق.

أما الثقة، فتحتاج إلى شيء آخر:

تقرير واضح، وأدلة قابلة للفحص، ومسؤولية تُحدد دون انتقام، وتوصيات لا تبقى حبراً على ورق.

فالحريقان قد ينتهيان بانطفاء النيران…

لكن قيمة التحقيق تبدأ من قدرته على منع الشرارة الثالثة.

“صوت الشعب الموريتاني”

المشاركة: