«موريتانيا إلى الأمام»: تصعيد خطير واستفزاز غير مقبول.
نواكشوط – صعّد حزب «موريتانيا إلى الأمام» لهجته السياسية إزاء استدعاء عضو مكتبه التنفيذي، اللواء المتقاعد لبات ولد المعيوف، من طرف المفوضية السيبرانية، وطلب مثوله أمام وكيل الجمهورية، على خلفية مشاركته في بث إعلامي.
الحزب اعتبر، في بيان صادر عنه، أن الإجراء يمثل «تصعيداً خطيراً واستفزازاً غير مقبول»، معرباً عن إدانته الشديدة لما وصفه بالتضييق على أحد قياداته، ومطالباً بالإفراج الفوري عنه ووقف ما قال إنها أشكال من التضييق على قياداته ومناضليه.
ولم يقف البيان عند حدود الدفاع عن ولد المعيوف، بل وسّع الحزب دائرة اعتراضه إلى قضية أوسع تتصل، من وجهة نظره، بهامش حرية التعبير والعمل السياسي، داعياً السلطات إلى احترام الدستور والقوانين والحقوق والحريات العامة.
كما وجّه الحزب نداءً إلى القوى السياسية والوطنية والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية للتعبير عن رفضها لما وصفه بهذه الممارسات، والوقوف إلى جانب حرية التعبير وسيادة القانون.
وحمّل الحزب السلطات المسؤولية الكاملة عن سلامة اللواء لبات ولد المعيوف، وعن أي تبعات قد تترتب على الإجراء المتخذ بحقه.
ويأتي هذا التصعيد السياسي في وقت تتقاطع فيه، بصورة متزايدة، ملفات حرية التعبير، والمحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية، وحدود المسؤولية القانونية للمشاركين في البث الإعلامي؛ وهي ملفات تفرض بطبيعتها قدراً عالياً من الدقة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى التمييز بين ممارسة الحق في التعبير وبين ما قد تعتبره الجهات المختصة مخالفة للقانون.
وبينما يضع الحزب القضية في خانة التضييق على الحريات، تبقى الكلمة الفصل في توصيف الإجراء وأساسه القانوني للجهات القضائية المختصة، بما يضمن حق الدفاع، وقرينة البراءة، واحترام المساطر القانونية.
(صوت الشعب الموريتاني)
ولد المعيوف بين حرية التعبير وسلطة القانون: أين ينتهي الحق وأين تبدأ المسؤولية؟
«صوت الشعب الموريتاني»: ليست القضية في الاستدعاء وحده، بل في ما سيكشفه القانون عن حدوده وأسبابه
في السياسة، قد يكون الاستدعاء إجراءً قانونياً عادياً، وقد يتحول، إذا غابت عنه الشفافية أو أسيء توظيفه، إلى عنوان سياسي يتجاوز صاحبه إلى سؤال أكبر: أين تقف حرية التعبير، وأين تبدأ المسؤولية القانونية؟
-استدعاء اللواء المتقاعد لبات ولد المعيوف، وفق ما أورده حزبه، فتح هذه المساحة من جديد، ودفع «موريتانيا إلى الأمام» إلى رفع سقف الخطاب، واعتبار الخطوة تصعيداً ضد الحريات والعمل السياسي.
لكن المهنية تقتضي ألا يُحسم هذا الجدل من طرف واحد.
فمن حق الحزب أن يدافع عن أحد قياداته، ومن حق ولد المعيوف أن يتمتع بكامل ضماناته القانونية، كما أن من حق السلطات المختصة، في المقابل، أن تتحقق من أي محتوى قد ترى أنه يستوجب المساءلة، شريطة أن يتم ذلك في إطار القانون، وبإجراءات واضحة، بعيداً عن الانتقائية أو تحويل القضاء إلى أداة للصراع السياسي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الملف.
فالقضية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة شعارات بين «قمع الحريات» و«فرض القانون». المطلوب هو أن يقول القانون كلمته، وأن تكون حيثيات الاستدعاء واضحة، وأن يعرف الرأي العام: ما طبيعة المخالفة المنسوبة؟ وما النص القانوني الذي تستند إليه؟ وهل جرى احترام كامل حقوق المعني في الدفاع؟
وفي المقابل، فإن حرية التعبير، مهما علت مكانتها، لا تعني غياب المسؤولية عن الكلام المنشور أو المذاع؛ كما أن حماية النظام العام وتطبيق القانون لا ينبغي أن تعني خنق المساحات المشروعة للنقاش السياسي والإعلامي.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي في هذه القضية ليس في ارتفاع نبرة الحزب، ولا في قوة الإجراء الرسمي، وإنما في قدرة المؤسسات على تقديم نموذج مقنع يفصل بين الاختلاف السياسي والمساءلة القانونية.
الشعب الموريتاني بحاجة إلى معادلة أكثر نضجاً: لا حصانة سياسية أمام القانون، ولا قانون بلا ضمانات، ولا حرية بلا مسؤولية، ولا مسؤولية تتحول إلى ذريعة لمصادرة الحرية.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل ما يمكن أن يحدث في ملف ولد المعيوف هو أن تتقدم الحقيقة على الضجيج، وأن تتقدم المؤسسات على الاصطفافات، وأن يكون القضاء، لا السجال السياسي، هو الفيصل.
فإذا كانت هناك مخالفة، فليقل القانون كلمته بوضوح.
وإذا لم تكن هناك مخالفة، فليكن حفظ الحقوق والحريات هو الرسالة الأقوى.
وفي الحالتين، تبقى هيبة الدولة أقوى حين تقترن بالقانون، وتبقى المعارضة أكثر قوة حين تحتكم إلى الحقيقة والمسؤولية.