(صوت الشعب الموريتاني):
هذا المقال لا يقرأ احتفاءً عابرًا، بل يفكك دلالات المشهد ويعيد وضعه في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي. قوته أنه لا يرى لعيون مجرد محطة بروتوكولية، وإنما يستحضر مدينة المحاظر والمقاومة والوعي، ليقول إن تكريم السيدة الأولى هناك هو، في عمقه، تكريم لذاكرة المكان ورمزية المرأة ودور المحظرة في صناعة الوعي الموريتاني.
إنها كتابة تنبش في طبقات الذاكرة، وتربط الماضي بالحاضر، وتحوّل المناسبة من خبر إلى رسالة سياسية وثقافية ذات أبعاد أبعد من حدود اللحظة. مقال يستحق القراءة؛ لأنه لا يكتفي بوصف المشهد، بل يسأل: ماذا يعني أن تحتفي لعيون بمن يمثل في الوجدان العام صورةً للمرأة الموريتانية الحاضرة في المجال الاجتماعي والثقافي والإنساني؟
مقال يقرأ ما وراء الخبر… ويمنح المناسبة عمقها، وللمكان ذاكرته، وللرمز دلالته.
المقال :
لعيون تحتفي بالسيدة الأولى في بلدة بلمحاظر
قل الحق ولا تعدوه
إن احتفاء لعيون بالسيدة الأولى في أعرق بلدة كانت رمزًا للمحاظر والتصوف السني، وتخريج أفذاذ من مئات الآلاف من حفاظ القرآن الكريم، وأمم من الذاكرين، في المائتي عام قبل الاستقلال وبعده، ومنها أخذت قرية «بلمحاظر» اسمها ومعناها ومبناها، هو حدث مميز، وله أكثر من دلالة.
لقد أسست السيدة الأولى، مريم بنت المناضل والوطني المثقف الخلوق محمد فاضل ولد الداه، رحمه الله، قدوة حسنة لماجدات موريتانيا ونسائها الصالحات والطاهرات والمبدعات، منذ انتخاب فخامة الرئيس، حكيم قيادة الشباب والقوة الهادئة، التي شيدت وأسست دولة الإجماع والحوار والإنصاف للجميع.
حققت بنت الداه، في الداخل والخارج، صيتًا في الحكامة والخطابة والقيم الأخلاقية ودعم المجتمع الحقوقي والشرائح الفقيرة والمهمشة، واحتضنت باعتزاز المبدعين والمؤثرين وأهل القرآن، وذبت عن قناة المحظرة وأحباب النبي صلى الله عليه وسلم، وجماعات المديح النبوي، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمرأة والشباب، وكانت ولا تزال تجمع ولا تفرق، وتنصح وتصدح بلم الشمل ومكافحة الفقر والتخلف… ما شهدنا إلا بما علمنا.
وظلت تملأهم في موريتانيا بابتسامتها وودها وسعة أخلاقها ونظافة يدها من الفساد والشبهات.
إن استقبال الفريق، الأخ الكريم، مسقارو ولد سيدي ولد اغويزي، لها في حاضرة لعيون، وهو يلتف حوله رموز معتبرة من أطر لعيون، خطوة مباركة واتجاه صحيح، يؤكد أن مثابة الحوض الغربي، في عهد فخامة الرئيس، ستحفظ لها مجد نضالها وخبرة جميع كفاءاتها وتجارب كفاحهم المستميت عن برنامج مأمورية فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حاضرًا ومستقبلًا.
لعيون، التي كافحت جميع أجيالها الاستعمار الفرنسي، وكانت رمزًا للنضال ضد الحزب الواحد وهياكل تهذيب الجماهير وسطوة الحزب الجمهوري والعشرية، وخصوصًا مأموريتها الثالثة عند الانحناء والاستكبار، هي قلعة انتفاضة المعلمين العرب والنقابات العمالية والطلابية، وخرجت لعقود بجماهيرها، وبشيوخ محاظرها وفقهائها وماجداتها وطلابها ومثقفيها وفرسان مجتمعاتها، ضد التاءات الأربع: «الغزاة، والطغاة، والغلاة، والجفاة»، ودفعت أجيالها النضالية المتعاقبة الأثمان في كل الحقب، وفي كل المحن.
هذه مناسبة للتنويه بالدور الطلائعي الذي لعبه كل أطر لعيون ووجهائها، من كل فج ووجهة، لخدمة القرآن الكريم والسنة المطهرة واللغة العربية وأمجاد الفتح المرابطي وشهداء وأعلام المقاومة الوطنية. رحم الله من ثبت وسبق، وبارك فيمن لا يزال على النهج والدرب.
كما نغتنم المناسبة لننوه برفاق وجنود ورؤساء وأعضاء حكومات فخامة الرئيس في مأموريتَيه، الذين أداروا باستماتة الحكومات والقطاعات الوزارية وأجهزة وزارة الدفاع الوطني والحرس والدرك والأمن والجمارك وقيادة الجيوش؛ فقد ساهموا، كل من موقعه وخبرته، في إنجازات لا تزال ملموسة ومعتبرة في الأمن القومي لبلدنا والسلم الاجتماعي لمجتمعنا.
ولن تمر هذه المناسبة العزيزة دون أن نجدد، بكل اعتزاز وفخر، لكل الموريتانيين، مهما كانت انتماءاتهم النضالية ومشاربهم الفكرية ومواقعهم الجغرافية والطائفية، تقديرنا الكامل لوزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي أدار بنزاهة وصدق الحوار السياسي والدورات الانتخابية بكل نزاهة وشفافية، ونفذ برامج جمعت ولم تفرق بين كل الفرقاء، مهما كانت خلافاتهم وتوجهاتهم، من الجيل القديم والجيل السياسي الجديد.
فهوسليل مدرسة الإرشاد والإمداد والجهاد، التي قضى تلامذتها شهداء أبطالًا على «قائد الحملة الاستعمارية كبلاني» بتجكجة، قلعة المقاومة، وقدم شيوخ هذه المدرسة الشنقيطية للمسلمين في تركيا وإفريقيا والمغرب والمشرق أئمة التقوى وفقه المقاصد والحكم الرشيد.
بقلم: محمد الشيخ ولد سيد محمد
أستاذ وكاتب صحفي
الإثنين: 24/8/2026