-في تطور دراماتيكي يعيد رسم حدود العلاقة بين السلطة والمعارضة في موريتانيا، أطلقت تسعة أحزاب سياسية من العيار الثقيل جرس الإنذار، معلنةً في بيان مشترك عن استنكارها الشديد لما وصفته بـ “الاعتداء الفج” الذي طال نائب رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية، القيادي باب ولد إبراهيم، داخل أروقة قصر العدل بنواكشوط الغربية قبل توقيفه واقتياده للتحقيق.
الواقعة، التي جرت تفاصيلها أثناء تواجد المعني بالمحكمة لاستصدار وثيقة إدارية عادية لرب أسرته، تحولت سريعا إلى قضيّة رأي عام وشرارة لمواجهة سياسية حامية.
ورأت الكتلة الحزبية الموقعة -وفي مقدمتها أحزاب “تكتل القوى الديمقراطية”، “تواصل”، و”الصواب”- أن الواقعة تتجاوز كونه حادثاً فردياً لتمسّ جوهر دولة القانون، مطالِبة بفتح تحقيق مستقل وشفاف يضع حداً لما أسمته “آلة القمع والتعسف وإساءة استخدام السلطة داخل المؤسسات العمومية”.
وحذرت المعارضة من أن استهداف قادة الرأي والرموز السياسية في البلاد يبعث برسائل شديدة الخطورة والسلبية حول واقع الحريات العامة وضوابط ممارسة السلطة في موريتانيا.
(موقع “صوت الشعب الموريتاني”):
-حادثة قصر العدل بين صرامة النافذين وحصانة السياسي.. أزمة دولة قانون أم شطط في إنفاذ الهيبة؟:
-تضع حادثة قصر العدل بنواكشوط المشهد السياسي والأمني في موريتانيا أمام اختبار حقيقي لمفهوم “دولة المؤسسات” والتوازن الدقيق بين صيانة هيبة المرفق القضائي وحفظ كرامة المواطن والفاعل السياسي.
-فمن جهة، تقرأ القوى السياسية المشهد من زاوية حقوقية وسياسية بحتة؛ حيث ترى في توقيف قيادي بحجم باب ولد إبراهيم -وفي موقع يُفترض أنه ملاذٌ للعدالة- مؤشراً مقلقاً على انزلاق أدوات السلطة نحو “التعسف واستعراض القوة”، مما يستوجب وضع خطوط حمراء لحماية الحريات العامة ومنع الإفلات من العقاب.
-وفي المقابل، وعلى الجانب التنفيذي والأمني، ترتكز الرواية الرسمية وضوابط إنفاذ القانون على ضرورة فرض النظام العام داخل المرافق الحيوية كالمحاكم، بصرف النظر عن صفة الأشخاص أو أوزانهم السياسية؛ إذ تُشدد أجهزة إنفاذ القانون عادةً على أن الانضباط لتعليمات الحراسة والإجراءات التنظيمية خط أحمر لا يراعي الحصانات التفضيلية غير المنصوص عليها قانوناً.
-بين هاتين المقاربتين، يقف المتابع للشأن الموريتاني أمام معضلة إدارية وسياسية المركَّب؛ فالحفاظ على هيبة الدولة والمؤسسات لا ينبغي أن يتنصل من القواعد الإجرائية التي تصون كرامة الأفراد، كما أن النضال الحقوقي لا يجوز أن يتغاضى عن مبدأ المساواة أمام القانون.
إن تدارك الموقف عبر فتح تحقيق شفاف ومستقل -كما طالبت القوى الوطنية- بات ضرورة ملحة لاستعادة الثقة بين الشارع والمؤسسات الأمنية والقضائية، ولتفادي تحويل هفوات الإجراءات التنظيمية إلى وقود للأزمات السياسية في مرحلة تتطلب أعلى درجات التهدئة والاتزان.
