“صوت الشعب الموريتاني “:
إسلام آباد / الرياض / أنقرة
— في لحظة فارقة تشبه إعادة ترتيب أحجار الشطرنج على رقعة الشرق الأوسط المشتعلة، لم يكن توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد مجرد حدث بروتوكولي أملته المراسيم؛ بل جاء كإعلان صريح عن ميلاد تكتل إقليمي صلب يسعى للمرة الأولى إلى سد الفراغ الذي خلفه التراجع التدريجي للمظلة الأمنية الأمريكية.
المرسوم الذي أُعلن من جوار البيت الحقيق، والذي تضمن بنداً صريحاً ينص على أن “أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع”، يرتفع بالتعاون العسكري من مجرد مذكرات تفاهم ثنائية إلى نسخة إسلامية مكافئة لـ”المادة الخامسة” في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
-تكامل العضلات: الثروة، التقنية، والغطاء النووي
على الطاولة الإستراتيجية
-لا تُقاس القوة بحجم الجيوش الميدانية فحسب، بل بتكامل المكونات الإستراتيجية. هذا التحالف الثلاثي يمزج بين ثلاثة عناصر قوة غير مسبوقة في المنطقة:
-المال والثقل الإستراتيجي (السعودية): إنفاق دفاعي ضخم، وموقع جيو-اقتصادي يمس شريان الطاقة العالمي.
-التصنيع والتقنية العسكرية (تركيا): قاعدة صناعية متطورة تقفز نحو طائرات الجيل الخامس، مصحوبة بخبرة حلف الناتو وتكتيكات المسيرات الحسمية.
-العمق البشري والردع النووي (باكستان): جيش متمرس، وعمق ديمغرافي، وإمكانات نووية تمثل الخط الأحمر الأخير في معادلات التوازن الدولي.
- هذا المزيج الثلاثي يُغطي ثغرات الجغرافيا السياسية؛ فبينما كانت الرياض تبحث عن عمق إستراتيجي يُغنيها عن المظلة الأمريكية التقليدية، وجدت في التقنية التركية والردع الباكستاني بديلًا يستجيب لتهديدات المسيرات والصواريخ الباليستية الإقليمية.
-رسائل في كل الاتجاهات: لمن كُتب هذا الاتفاق؟
حضور شخصيات بحجم قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير -المعني الأول بملفات الوساطة والمفاوضات الأمريكية الإيرانية- يضع الاتفاق في قلب العاصفة الدبلوماسية.
-فالرسائل الموجهة من “حلف مكة” تتوزع على عدة عواصم:
- إلى طهران: انزعاج مكتوم ومحاولات للتقليل
-لم تتأخر ردود الفعل القادمة من طهران؛ تصريحات المسؤولين الإيرانيين -مثل محمود نبويان وإبراهيم رضائي- التي وصفت الاتفاق بأنه “مجرد ورق لن يجلب الأمن”، تعكس حجم القلق الضمني من ولادة كتلة إقليمية سُنّية متماسكة تقف حائلاً أمام تمدد النفوذ أو هجمات الجماعات المسلحة المحسوبة عليها في اليمن والعراق.
الاتفاق يُصعّب البيئة الإستراتيجية أمام إيران ويفرض عليها التفكير ملياً قبل أي مغامرة تمس البنية التحتية النفطية للخليج.
- إلى تل أبيب: خطوط حمراء وتعديل لموازين التمدد.
-تفسيرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (كما عبر عنها داني سيترينوفيتش) تحاول تسويق الاتفاق باعتباره هادفا لاحتواء إيران فقط ولا يمس مسارات التطبيع.
غير أن القراءة العميقة تشير إلى عكس ذلك؛ فالدخول التركي والباكستاني على خط أمن الخليج يضع حداً للترتيبات الأمنية الإسرائيلية المنفردة، ويوجه رسالة تحذيرية من أي تجاوزات لتل أبيب تستغل الفراغ الإقليمي، خاصة في ظل القلق الباكستاني من العلاقات الهندية-الإسرائيلية.
- إلى واشنطن: اعتماد على الذات بمباركة ضمنية.
-الاتفاق يُترجم العقيدة الأمريكية الجديدة القائمة على “إدارة الحلفاء لأمنهم الذاتي”. واشنطن المثقلة بأزمات شرق آسيا وأوروبا، تجد في هذا الحلف أداة لتحمل العبء، وإن كانت ترقب بحذر التقارب التقني والعسكري بين دول امتلكت أو تملك مفاتيح التقنية النووية والصناعية.
-بين النوايا والواقع: التحديات الإستراتيجية على المحك
رغم القوة الظاهرة في صياغة البيان، فإن أي مراقب متمرس لأزمات الشرق الأوسط يعلم أن الاختبار الحقيقي للتحالفات لا يكون في لحظات التوقيع، بل عند اندلاع الأزمات:
-الاقتصاد المجهد: تواجه أنقرة وإسلام آباد تحديات اقتصادية هيكلية، بينما تتعرض الميزانية السعودية لضغوط التنمية، مما يطرح سؤالاً حول كلفة بناء هيكل عسكري لوجستي موحد بحجم “الناتو”.
تباين الأولويات: هل ستقبل إسلام آباد أو أنقرة الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران إذا ما تعرضت المنشآت النفطية لهجوم؟ أم أن الدور الباكستاني سيقتصر على الوساطة والردع المفهوم دون صدام مباشر؟
خلاصة القول
“اتفاقية مكة” ليست مجرد اتفاق دفاعي عابر، بل هي تغيير بنيوي في معمار الأمن الإقليمي.
لقد انتقلت المنطقة من زمن الأطراف الحامية من خارج الإقليم، إلى زمن التكتلات الذاتية القائمة على تقاطع المصالح والتكامل العسكري.
قد لا يتحول الحلف غداً إلى قوة ضاربة موحدة في الميدان، لكن مجرد وجوده على الورق -وبدعم من إمكانيات الدول الثلاث- كفيل بإعادة رسم الخطوط الحمراء، وإجبار الجميع، من طهران إلى تل أبيب، على إعادة حسابات الردع من جديد.
