-تصريحات غاديو تفتح جرح التاريخ والدبلوماسية.. والسفير ولد عثمان يضع “الخطوط الحمراء” لسيادة نواكشوط في داكار
نواكشوط – صوت الشعب الموريتاني
-سجلت الدبلوماسية الموريتانية موقفاً حازماً وشاجباً أمام محاولات “إعادة قراءة التاريخ” على حساب الجغرافيا والسيادة الوطنية، وذلك عقب تصريحات أطلقها وزير الخارجية السنغالي الأسبق، الشيخ التيجاني غاديو، ادعى فيها أن الحدود التاريخية للمملكة المغربية “كانت تمتد لتصل الأراضي السنغالية”.
ففي نواكشوط وداكار على حد سواء، أثارت هذه التصريحات زوبعة من الرفض؛ مما دفع السفير الموريتاني لدى السنغال، محمد ولد عبد الله ولد عثمان، للتدخل المباشر والحاد خلال حفل تقديم كتاب حول الصحراء الغربية للنادي الدبلوماسي في داكار.
ولد عثمان لم يكتفِ بضبط الإحداثيات الجغرافية، بل أعاد رسم الخارطة التاريخية للمنطقة بقوة، مذكرًا غاديو بأن “جار السنغال المباشر هو موريتانيا”، وأن التاريخ يشهد على أن الموريتانيين هم من خاضوا معارك الشرف ضد المستعمر في “سان لوي” عمق الأراضي السنغالية.
وفي خطاب امتزجت فيه لغة السيادة بثقل الموقع الجيوسياسي، شدد ولد عثمان على أن نواكشوط، بمساحتها البالغة مليوناً ومئتي ألف كيلومتر مربع، ليست مجرد خط تماس جغرافي، بل هي الصخرة التي تتكسر عليها أزمات الساحل وحارس استقراره اليوم.
كما عبر عن أمله في ألا تعكس تصريحات غاديو نظرة عموم الشعب السنغالي الشقيق تجاه موريتانيا ودورها المحوري.
وعلى الرغم من محاولة غاديو احتواء الغضب الموريتاني بالحديث عن “إمبراطورية المرابطين” والتذكير بروابطه العائلية ووساطاته السياسية السابقة في نواكشوط؛ إلا أن المقاربة التي طرحها أعادت إلى الأذهان أزمات دبلوماسية سابقة أشعلتها تصريحات مشابهة مسّت بالثوابت الوطنية الموريتانية، وأكدت حساسيتها المفرطة لدى الوعي الجمعي والدبلوماسي في نواكشوط.
(صوت الشعب الموريتاني):
بين شطحات الذاكرة وزلازل الجغرافيا: لماذا تثير “جغرافيا التاريخ” حساسية نواكشوط؟:
-لا يمكن قراءة المساجلة الدبلوماسية الأخيرة بين السفير الموريتاني لدى داكار محمد ولد عبد الله ولد عثمان، ووزير الخارجية السنغالي الأسبق الشيخ التيجاني غاديو، على أنها مجرد زلة لسان في ندوة ثقفية أو اختلاف عادي في قراءة المراجع التاريخية.
إننا أمام عصب سيادي حساس يتجاوز اللحظة الراهنة ليلامس الوعي الجيوسياسي للدولة الموريتانية الحديثة.
أولاً: الرد الرمزية والردع الجيوسياسي
-لقد تصدى السفير ولد عثمان لتصريح غاديو بلغة حازمة تدرك حجم المخاطر الناتجة عن ترويج مقولات “الإمبراطوريات التاريخية” التي تتجاوز الكيانات الوطنية القائمة.
ردُّ السفير لم يكن فقط دفاعاً عن التاريخ الإفريقي المشترك، بل كان تذكيراً بواقع الجغرافيا الصلب: موريتانيا ليست مجرد “ممر” بين المغرب والسنغال، بل هي صمام أمان الإقليم، والقوة الديموغرافية والجغرافية (1.2 مليون كم²) التي قاومت المستعمر وشكّلت عمق الهوية للمنطقة برمّتها.
ثانياً: التوازن الوطني وحساسية ملف الصحراء
على الساحة الوطنية الموريتانية، تتجاذب هذا الملف مقاربتان رئيسيتان:
-تيار حزم السيادة: وهو التيار الذي يرى في أي تصريح يقلل من الحضور الموريتاني التاريخي أو يمس بحدود الدولة ونشأتها تهديداً خطيراً يجب ردعه فوراً دون مجاملة دبلوماسية، مستحضرين أزمة تصريحات “حميد شباط” عام 2016 وما تطلّبته من اعتذار مغربي رسمي على أعلى المستويات.
-تيار الواقعية وتطويق الأزمات: وهو التيار المتابع للحيثيات بحذر، والذي يدعو إلى تفكيك هذه الأزمات في مهدها دون الإضرار بالروابط الأخوية الاستراتيجية التي تجمع موريتانيا بكل من السنغال والمغرب.
هذا الفريق يرى في توضيح غاديو المتأخر (وتذكيره بالروابط الاجتماعية والدور المرابطي المشترك) خطوة لتطويق زلة اللسان ومحاولة لاستيعاب الغضب الموريتاني المششروع.
خلاصة قراءة المشهد:
تثبت هذه الواقعة من جديد
- أن موريتانيا — المتمسكة بالحياد الإيجابي والمُكتفي بدوره كراعية للاستقرار في الساحل والقاطرة الضامنة للتوازن الإقليمي — لن تقبل بأي حال من الأحوال قراءة تاريخها عبر عدسات الآخرين.
إن السيادة الموريتانية، أرضاً وتاريخاً وموقفاً من ملف الصحراء الغربية، هي خط أحمر غير قابل للتأويل أو الالتفاف الدبلوماسي، حتى لو جاء تحت غطاء الاستشهاد التاريخي.
