نواكشوط — صوت الشعب الموريتاني
-في خطوة استراتيجية تتجاوز النمطية الكلاسيكية للتظاهرات الموسمية، أعلنت وزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان في العاصمة نواكشوط، عن إطلاق شارة البدء لفعاليات “الأسابيع الوطنية للثقافة والفنون لعام 2026″، تحت شعار محوري يرفع راية “عطلتك ثقافة وسياحة”، ممتدةً على مدار شهرين كاملين حتى الثامن والعشرين من سبتمبر المقبل.
-التظاهرة التي أشرف على قص شريطها وزير الثقافة الحسين ولد مدو، تأتي – بحسب التوصيف الرسمي – كتجسيد عملي لتوجيهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، الداعية إلى “توطين العطلة” وجعل استكشاف المقومات الثقافية والبيئية رافعةً للاقتصاد الوطني، وشرياناً لتعزيز اللحمة الاجتماعية.
-وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، وضع الوزير ولد مدو المبادرة في سياقها التنموي، مؤكداً أنها تمثل ترجمة ميدانية لرؤية شاملة تجمع بين الفائدة والترفيه، وتجعل من العطلة الصيفية فرصة حقيقية لإعادة اكتشاف الموروث الحضاري للبلاد.
واستعرض الوزير حصيلة ما وصفه بـ”الحركية غير المسبوقة” للقطاع خلال العام المنصرم؛ بدءاً من تنظيم معرض نواكشوط الدولي للكتاب، ودعم المهرجانات، مروراً بتشييد البنى التحتية الثقافية، وصولاً إلى الترسانة القانونية لحماية التراث وتنظيم المتاحف.
ولم تقتصر الرؤية الحكومية على الفعل الميداني، بل امتدت لتشمل جبهة “الرقمنة والذاكرة”؛ حيث كشف الوزير عن قطع شوط هام في رقمنة المخطوطات والأرشيف الثقافي، إلى جانب العكوف على إعداد “موسوعة وطنية للأدب الشعبي” بكافة اللغات الوطنية، لضمان تسليم شعلة الهوية للأجيال القادمة، وجعل الثقافة قوة ناعمة تنموية وإطارات جامعاً يحتضن التنوع ويعزز الوحدة الوطنية.
( موقع صوت الشعب الموريتاني ):
“عطلتك ثقافة وسياحة”.. تسويق الهوية بين الرهان التنموي والاستقطاب السياسي:
-لا يمكن قراءة إطلاق “الأسابيع الوطنية للثقافة والفنون” في موريتانيا مجرد نشاط بروتوكولي صيفي يعبر الكرزان التنفيذي للوزارة؛ بل نحن أمام “مناورة ناعمة” تحمل أبعاداً تنموية وسياسية واجتماعية على قدر كبير من الأهمية والتعقيد في آن واحد.
-فمن المنظور الرسمي والحكومي، تسعى السلطة من خلال هذا البرنامج الامتدادي (شهرين كاملين) إلى تحقيق ضربة مزدوجة: الأولى اقتصادية تتمثل في امتصاص النزيف المالي الناتج عن خروج الأسر للتحييز والعطلات الخارجية، وتحويل البوصلة نحو السياحة الداخلية لدعم الاقتصاد المحلي.
والثانية اجتماعية-سياسية تهدف إلى احتواء الفراغ الصيفي لدى فئة الشباب، وتوجيه الطاقات الشبابية نحو إعادة اكتشاف الموروث الجمعي، بما يعزز الرواية الرسمية حول “ترسيخ الهوية الجامعة”.
-في المقابل، يرصد المشهد الثقافي المستقل ومراقبون للشأن الوطني هذه الخطوة بعيون تجمع بين الترحيب والحذر؛ إذ يرى حماة التراث والأوساط الإبداعية أن المبادرة خطوة جادة ومستحقة – خاصة مع اقترانها بمشاريع ناعمة ومحورية كرقمنة المخطوطات وإعداد موسوعة للأدب الشعبي بمختلف اللغات الوطنية، وهو ما ينصف التنوع الثقافي الموريتاني.
-إلا أن أصواتاً نقديّة في الشارع الثقافي والمعارضة تتساءل عن مدى قدرة هذه المهرجانات الموسمية على إحداث تنمية مستدامة حقيقية ما لم تقترن ببنية تحتية سياحية وصلبة في الولاية الداخلية، تجعل من الشعار موئلاً عملياً لا مجرد “احتفالية صيفية” تزول بزوال الموسم.
ختاماً؛ تظل الأسابيع الوطنية للثقافة والفنون اختباراً حقيقياً لرؤية السلطة في تحويل الثقافة من بند استهلاكي في الميزانية إلى “قوة ناعمة” ورافد تنموي شمول؛ فالتحدي اليوم ليس في إطلاق الفعاليات ورصد الميزانيات، بل في قدرتها على النفاذ إلى عمق المجتمع الموريتاني بمختلف أطيافه، وصناعة فعل ثقافي مستدام يتقاطع فيه الترفيه مع التنمية، والوحدة الوطنية مع الاعتراف الصريح بالنوع الثقافي.
