بورصة الأضاحي في نواكشوط.. شعيرة تقاوم جمر الأسعار وعين السلطة على الاستقرار
ليست مجرد أسواق لبيع الماشية في ضواحي العاصمة نواكشوط، بل هي “بورصة” سنوية للمشاعر والقدرة الشرائية، تختبر عمق التكافل الاجتماعي وجيوب الموريتانيين على حد سواء. ومع اقتراب الأضحى، تشتعل الساحة الوطنية بجدل متجدد، تتقاطع فيه الدوافع الدينية بالضغوط الاقتصادية الحارقة.
في عمق هذه الحلبة الاقتصادية، يقف المنّمون والباعة مدافعين عن لقمة عيشهم؛ فالارتفاع الملحوظ في الأسعار ليس ترفاً أو جشعاً -كما يقولون- بل هو نتاج حتمي لمعادلة مركبة.
يتداخل فيها جفاف المراعي خلال الأشهر الماضية، مع القفزات الجنونية في أسعار الأعلاف، وارتفاع كلفة النقل من الولايات الداخلية إلى العاصمة. إنها “كلفة البقاء” للثروة الحيوانية التي تُلقي بظلالها على العاصمة.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، يقف المواطن الموريتاني، وبخاصة ذوو الدخل المحدود، مكبلاً بضعف القوة الشرائية وتعدد التزامات العيد. يرى المستهلك في هذه الأسعار قفزة تفوق طاقته، وتحول بينه وبين إدخال الفرحة على أسرته، في ظل واقع معيشي ضاغط يجعل من “الكبش” عبئاً مالياً ثقيلاً لا مجرد شعيرة دينية.
بين مطرقة الباعة وسندان المستهلكين، تتحرك السلطات العمومية والجهات المعنية على حبل مشدود؛ لتفرض توازناً صعباً في الساحة.
تسعى الدولة جاهدة لتنظيم الفوضى، وتأمين الأسواق صحياً وأمنياً، وضمان انسيابية الحركة وحماية المواطنين والمواشي معاً، في محاولة لضبط إيقاع الشارع وضمان استقراره الاجتماعي.
يبقى سوق المواشي بنواكشوط، قبيل النحر، مرآة تعكس صراعاً أزلياً بين الإصرار على إحياء الشعائر الدينية، وعناد التحديات الاقتصادية؛ صراع يثبت فيه الموريتانيون -رغم تقلبات الأسعار- أن قيمهم الروحية تظل عصية على الانكسار.
صراع “القرون والجيوب” في نواكشوط: أضحية العيد بين إكراهات المنمين وقدرة المواطن.. وأين تقف الدولة؟
لا يمكن قراءة الحراك الراهن في أسواق المواشي بالعاصمة نواكشوط كظاهرة موسمية عابرة، بل هو مؤشر بنيوي يعكس التوازنات الحساسة والمعقدة في البنية الاقتصادية والاجتماعية الموريتانية.
إننا أمام معادلة صفرية بامتياز؛ فالمنمي والبائع الموريتاني ليس “جشعاً” بالضرورة، بل هو حلقة أخيرة في سلسلة إنتاج منهكة عانت من شح الأمطار وغلاء الأعلاف وارتفاع كلفة المحروقات، وبالتالي فإن خفض الأسعار قسرياً قد يعني ضرباً لركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني (الثروة الحيوانية). وفي المقابل، فإن المواطن ومحدودي الدخل يواجهون تضخماً يلتهم الأجور، مما يجعل من سعر الأضحية الحالي تهديداً للاستقرار المعيشي والاجتماعي للأسر.
هنا يبرز دور الدولة والجهات المعنية، ليس فقط كمنظم أمني وصحي للأسواق، بل كـ “حكم” توازنات. إن التدخل الحكومي الحالي، وإن نجح في ضبط الجانب التنظيمي والأمني، يظل مدعواً لابتكار حلول هيكلية مستدامة (كدعم الأعلاف وخفض رسوم النقل)، لخلق نقطة التقاء عادلة تحمي “المنمي” في ريفه، وتصون كرامة “المستهلك” في حاضره، ليبقى العيد كما كان دائماً: مساحة للفرح والتكافل، لا لتعميق الفوارق الطبقية.