-لم يكن مقتل وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، مجرد حادث أمني عابر، بل يمثل نقطة تحول مفصلية قد تعيد رسم خريطة السلطة في مالي، وربما في كامل منطقة الساحل. ما جرى في “كاتي” — المعقل الأكثر تحصيناً للنخبة العسكرية — لا يمكن قراءته إلا كاختراق نوعي لمنظومة الحكم، أو كإعلان صريح بأن ميزان القوة بدأ يميل بعيداً عن المجلس العسكري.

كامارا لم يكن وزيراً عادياً؛ بل كان العقل الاستراتيجي للنظام، وحلقة الوصل مع موسكو، والرجل الذي هندس التحول الجذري في عقيدة باماكو الأمنية، من الارتهان لفرنسا إلى الارتماء في أحضان الشريك الروسي. اغتياله، بهذا الشكل الدراماتيكي، لا يعني فقط خسارة شخصية نافذة، بل تفكك أحد الأعمدة التي يستند إليها تماسك النظام نفسه.

الأخطر من ذلك، هو ما كشفه الهجوم: إذا كانت “كاتي” قد اختُرقت، فأين يمكن أن يكون الخط الأحمر؟ هذه الضربة لا تضرب الأمن فقط، بل تضرب سردية المجلس العسكري التي قامت على استعادة “السيادة” وفرض الاستقرار بالقوة. اليوم، تلك السردية تتآكل بسرعة تحت وقع الوقائع.
في موازاة ذلك، يطرح غياب الرئيس الانتقالي آسيمي غويتا عن المشهد أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. الصمت في لحظة كهذه ليس حياداً، بل مؤشر على ارتباك داخلي عميق، وربما صراع مكتوم داخل دوائر القرار. فالدول لا تُدار من “أماكن آمنة” حين تكون تحت هجوم بهذا الحجم.

على المستوى العسكري، تبدو الصورة أكثر قتامة: إصابة قيادات عليا، وتراجع ميداني في كيدال، وانسحاب عناصر “فيلق أفريقيا” تحت ضغط المتمردين، كلها إشارات إلى خلل بنيوي في منظومة القيادة والسيطرة. التحالف مع روسيا، الذي رُوّج له كبديل قوي، يظهر اليوم بوجهه الهش، عاجزاً عن حماية حتى مراكزه الحيوية.

سياسياً، الفراغ لا يبقى طويلاً. المعارضة، بقيادة الإمام محمود ديكو، بدأت بالفعل في استثمار اللحظة، ليس فقط بخطاب سياسي، بل بمحاولة بناء تقاطعات مع قوى مسلحة على الأرض. هذا التطور، إن تأكد، ينذر بمرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهات السياسية والعسكرية بشكل أكثر خطورة.
أما إقليمياً، فإن صمت حلفاء مالي في تحالف الساحل يطرح سؤالاً وجودياً: هل هذا التحالف مجرد إطار سياسي بلا أنياب؟ ما حدث كشف أن الدفاع المشترك لم يتجاوز حدود البيانات، وأن كل دولة قد تكون وحدها عندما تضرب العاصفة.
مالي اليوم ليست أمام أزمة أمنية فحسب، بل أمام اهتزاز عميق في بنية الحكم. اغتيال كامارا قد يكون الشرارة التي تكشف هشاشة نظام بُني على القوة أكثر مما بُني على التوافق.
السيناريوهات مفتوحة، لكن المؤكد أن ما بعد “كاتي” لن يشبه ما قبلها… وأن السلطة التي جاءت عبر فوهة البندقية تواجه اليوم اختبار البقاء في عالم لا تحكمه القوة وحدها.