صوت الشعب الموريتاني -ليس هذا المقال مجرد رأي عابر… بل هو صيحة إنذار مدوّية، ونداء استنفار حضاري في لحظة تاريخية تختلط فيها الدماء بالخرائط، وتُعاد فيها صياغة موازين القوة على حساب العرب قبل غيرهم.
الكاتب يضع إصبعه مباشرة على الجرح: العرب هم الخاسر الأكبر في كل جولات الصراع، من فتن التاريخ الأولى إلى حروب اليوم التي تُدار فوق أرضهم وبثرواتهم، وبأيدي غيرهم أحيانًا… وضد مصالحهم غالبًا.
ما يميّز هذا الطرح أنه لا يغرق في العاطفة فقط، بل يؤسس لرؤية استراتيجية صلبة عنوانها:
الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفاعل.
المقال يكشف بوضوح أن المنطقة العربية لم تعد ساحة صراع فقط… بل أصبحت جائزة الصراع الكبرى.
مشاريع متصارعة — صهيونية، إقليمية، ودولية — تتحرك وفق استراتيجيات طويلة النفس، بينما لا يزال العرب في كثير من الأحيان يتحركون بردّ الفعل لا بصناعة الفعل.
والأخطر، كما يلمّح الكاتب، أن الانقسام الداخلي العربي بات أخطر من التهديد الخارجي نفسه. فحين تتفكك الجبهة من الداخل، تصبح كل العواصم مكشوفة، وكل الثروات مستباحة.
“العرب أولًا”… شعار أم مشروع؟
رفع شعار “العرب أولًا” في هذا التوقيت ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
لكن التحدي الحقيقي ليس في الشعار… بل في تحويله إلى مشروع عملي يقوم على:
توحيد القرار السياسي العربي
بناء قوة علمية واقتصادية مستقلة
امتلاك أدوات الردع العسكري
استثمار الثروات بدل تبديدها في حروب الآخرين
الرسالة الأخطر:
المقال يوجّه ضربة فكرية قوية لفكرة “السلام الوهمي” مع القوى المعادية، ويعتبر أن الصراع ليس عابرًا بل صراع ممتد في عمقه التاريخي والديني والسياسي.
وهنا يفتح الكاتب بابًا للنقاش الحاد:
هل يمكن للعرب أن يضمنوا أمنهم عبر التهدئة… أم أن موازين القوة وحدها هي اللغة المفهومة؟
هذا المقال ليس مجرد دفاع عن “العرب”… بل دعوة لإعادة تعريف الدور العربي في العالم.
إما أن يكون العرب رقمًا صعبًا في معادلة القوة…
أو يظلّوا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
اللحظة الراهنة لا تحتمل الحياد…
ولا مكان فيها للضعفاء.
“العرب أولًا”… إما أن تتحول إلى مشروع نهضة شامل… أو تبقى مجرد صرخة في صحراء مشتعلة.
المقال/
العرب أولًا… وأخيرًا
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم العرب، قبل أربعة عشر قرنًا، من شرٍّ قد اقترب، ودعاهم إلى حماية جزيرة العرب من أعداء الإسلام، وأوصى بقوله: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». كما أخبر بالأخطار التي تهدد الأمة ومعاقل العرب في الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر والقدس وتركيا وبلدان الخليج، وسائر المغرب العربي.
وقد كنتُ قد جمعتُ هذه المعاني في رسالة تخرّجي سنة 1989، والتي زكّاها العلّامة المجدّد شيخنا محمد سالم ولد عدود، وحازت أعلى درجة (18/20).
ولا مراء أن الحفاظ على مدارس المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، من المشاريع المعادية — كالمشروع الصهيوني، والمشروع الصفوي، والمشروع الاستعماري — يُعدّ أولوية قصوى. كما أن النهوض العلمي والدعوي في قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، إلى جانب مدرسة الأزهر الشريف، ومدرسة فقه المقاصد، ومدارس السلم، ومؤسسات تعليم القرآن والسنة، وميراث الفقهاء في العالم الإسلامي، من بلاد السودان إلى الجزائر والمغرب، ومحاظر الشناقطة، امتدادًا لدولة المرابطين الفاتحين — كل ذلك يشكّل ركيزة أساسية لحماية الهوية الحضارية للأمة.
وعليه، فإن أي رؤية استراتيجية يجب أن ترفع شعار: «الأئمة من قريش» و«العرب أولًا»، في مقابل شعارات مثل: “أمريكا أولًا”، أو “إسرائيل أولًا”، أو “الشيعة أولًا”.
لقد أظهرت الفتن، منذ مقتل الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، مرورًا بحروب العراق والشام وغزة، وصولًا إلى الصراع الحالي بين إيران والصهاينة، أن المتضرر الأول والأخير هم العرب، ومصالحهم في جزيرة العرب وأرض الفتوحات الإسلامية.
ولمواجهة الأخطار الوجودية التي تهدد الدول العربية، ينبغي على القادة العرب إطلاق استراتيجية إنقاذ شاملة للأمة العربية الإسلامية، تنطلق من جزيرة العرب، وتعتمد على امتلاك القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية، والاستفادة من الثروات الطبيعية والموارد البحرية والنهرية، بما يضمن فرض الاحترام للأمن الإقليمي العربي، وصون سيادة الدول والشعوب العربية.
فقد قدّمت الأمة العربية للإنسانية والحضارة البشرية ما لم تقدّمه أمم أخرى، في حين أن الحروب العبثية، وحروب الوكالة، المليئة بالأخطاء الفكرية وسوء التقدير، لا تجلب إلا استنزاف الموارد وتضييع طاقات الشباب المسلم دون نتائج تُذكر.
إن الاعتداء على الدول العربية، وترويع المسلمين الآمنين، وسبّ الصحابة رضي الله عنهم، ورفض السنة المشرفة، وسوء الجوار مع الدول العربية — كل ذلك أخطاء استراتيجية جسيمة يجب رفضها جملةً وتفصيلًا.
كما أن أي سلام مع الصهيونية العالمية، أو دعاة الفوضى الخلّاقة، يُعدّ خطأً استراتيجيًا قاتلًا، لأن الصراع معهم صراع وجودي وديني ممتد عبر التاريخ.
بقلم: محمد الشيخ ولد سيد محمد
رئيس هيئة التراث في موريتانيا
نواكشوط – السبت 21 مارس 2026
2 شوال 1447 هـ