-في سابقة سياسية وتاريخية تفكك شفرات العلاقة التقليدية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في موريتانيا، خطت الجمعية الوطنية خطوة متقدمة نحو وضع النظام الحالي، ولأول مرة، تحت مجهر المساءلة البرلمانية المباشرة.
وجاء قرار مؤتمر الرؤساء بإحالة ملفات التحقيق المقترحة إلى لجنة المصادر البشرية لدراستها وإعداد تقرير علني بشأنها، ليدشن مرحلة جديدة من الصدام الإيجابي بين أروقة الرقابة ودهاليز التسيير الحكومي.
هذه الخطوة، التي حظيت بضوء أخضر من مكتب البرلمان، تتجاوز في أبعادها مجرد الإجراء الإداري الروتيني؛ فهي تؤسس لعرف رقابي غير مسبوق في التاريخ السياسي للبلاد.
فبينما اقتصرت لجان التحقيق البرلمانية السابقة على نبش ملفات أنظمة رحلت عن السلطة—كما حدث في ملفي الراحل سيدي ولد الشيخ عبد الله والعشرية اللاحقة للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز—تقف هذه اللجنة اليوم لتشرّح أداء نظام ما زال ممسكاً بمقاليد الحكم، مما يرفع منسوب الحرج السياسي ويضع الشعارات الرسمية لمحاربة الفساد أمام اختبار حقيقي.
الملفات الموضوعة على طاولة الفحص البرلماني، والتي دفعت بها قوى المعارضة (كتل “تواصل”، و”أمل موريتانيا”، والنائبان المستقلان عبد السلام حرمه ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل)، تمثل العصب الحيوي للاقتصاد والتنمية في الفترة من 2020 إلى 2025.
وتتوزع هذه الملفات بين ثقوب سوداء محتملة في برامج الدعم الاجتماعي لـ “تآزر”، وضبابية صفقات مفوضية الأمن الغذائي والمحروقات، ومصير عائدات الغاز البحري المرتقب.
كما يمتد التدقيق ليطال قطاع المياه، وصفقات الأشغال العامة، وكواليس قطاع المعادن والذهب، وصولاً إلى ملف شديد الحساسية يتمثل في مراجعة وتدقيق شهادات الموظفين لضرب بنية التعيينات القائمة على الولاء لا الكفاءة.
إنها محاولة برلمانية جادة لتفكيك ما وصفته المعارضة بـ “منظومة تسييرية غير خاضعة للرقابة”، وإعادة الاعتبار للمال العام في بيئة إقليمية ودولية لا تتحمل المزيد من الهدر.
“صوت الشعب الموريتاني”: بين مطرقة المعارضة وسندان النظام.. هل يقوى البرلمان الموريتاني على نبش دفائن “العهد القائم”؟
-يقف المشهد السياسي الموريتاني اليوم أمام منعطف ديمقراطي بالغ الحساسية، يتجاوز حدود المناكفات السياسية التقليدية إلى مربع المأسسة الرقابية الجادة.
إن إجازة مكتب البرلمان لتوصية إنشاء لجنة تحقيق في ملفات نظام لا يزال في سدة الحكم، يعد قفزة نوعية في سلوك الدولة البرلمانية، يضع كافة الأطراف الوطنية أمام مسؤوليات تاريخية متباينة.
-من منظور المعارضة الوطنية، تمثل هذه الخطوة انتصاراً لآليات الرقابة الدستورية، وضرورة ملحة لوقف نزيف الموارد العمومية وإعادة بناء الثقة المهزوزة في مؤسسات الدولة. وترى القوى الموقعة على التوصية أن الوصول إلى ملفات حساسة كالمحروقات، والغاز، والشهادات المزورة، لم يعد ترفاً سياسياً، بل هو طوق نجاة لاقتصاد يئن تحت وطأة المحاباة والترهل الإداري.
-في المقابل، يرى تيار الأغلبية الحاكمة والمدافعون عن النظام أن التعاطي الإيجابي لمكتب البرلمان ومؤتمر الرؤساء مع مقترح المعارضة يعكس مناخ الانفتاح السياسي، ويثبت جدية النظام في إتاحة المجال للمساءلة دون خطوط حمراء.
وتعتبر الأغلبية أن مرونة التعاطي مع هذه الملفات تدحض اتهامات التستر على الفساد، وتؤكد أن مؤسسات الدولة قوية وقادرة على مراجعة أدائها وتصحيح الاختلالات بنفسها، شريطة ألا تتحول هذه اللجان إلى منصات للتسجيل السياسي أو تصفية الحسابات.
-بين هذين التوجهين، يقف الشارع الموريتاني مترقباً ومشككاً في آن واحد؛ فالرهان الحقيقي لا يكمن في تشكيل اللجنة أو إحالة ملفاتها، بل في مدى قدرتها على تجاوز الضغوط السياسية، والوصول إلى عمق الحقائق، وتقديم تقارير شفافة تفضي إلى محاسبة فعلية، لا إلى تسويات خلف الكواليس.
-إنها معركة إثبات كفاءة للنظام البرلماني الموريتاني برمته، وإما أن تخرج منها الديمقراطية الوطنية بأنياب رقابية حقيقية، أو ترتد نكسة تعمق الفجوة بين المواطن ومؤسساته التشريعية.