داكار | في خطوة تُنذر بخلط الأوراق السياسية وتُدخل السنغال نفقاً جديداً من الصراع المحتدم على هرم السلطة، لوّح رئيس البرلمان السنغالي، عثمان سونكو، بإشهار “الورقة الحمراء” وسحب الثقة من حكومة خلفه في المنصب، أحمدو الأمينو محمد لو، مؤكداً جهوزية الغرفة التشريعية لخوض معركة كسر العظم “إذا دعت الضرورة”.
-هذا التهديد الناري جاء كقذيفة سياسية أطلقها زعيم حزب “باستيف” ذي الأغلبية البرلمانية، خلال مهرجان شعبي حاشد بمدينة “طوبى” الدينية؛ حيث وجّه سونكو مدفعية انتقاداته الثقيلة مباشرة إلى رفيق دربه السابق ورئيس البلاد الحالي، بصيرو ديوماي فاي، متسائلاً بنبرة تهكمية لا تخلو من مرارة: “أي رئيس هذا الذي يهدر وقته في استدعاء الشخصيات إلى القصر الرئاسي لتأسيس حزب جديد، في وقت يقف فيه البلد على حافة العجز عن سداد الديون، وينعدم فيه الأفق مع صندوق النقد الدولي، وتتخبط فيه القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في أتون أزمات متصاعدة؟”.
-وفيما يبدو أنه إعلان رسمي لنهاية “الهدنة السياسية” التي تعهد فيها سابقاً بعدم عرقلة العمل الحكومي، شدد سونكو على أن البرلمان سيكون خندقه للمواجهة والتصدي لسياسات الرئيس.
-وتأتي هذه التطورات المتسارعة بعيد إعلان الرئيس ديوماي فاي، أمام حشد من العمد والمستشارين المحليين، عن نيته إطلاق تشكيل سياسي جديد؛ وهي الخطوة التي تُرجمت في الأوساط السنغالية كإعلان رسمي للقطيعة البائنة مع سونكو، وتكريسٍ لصراع الصلاحيات الذي انفجر عقب إسقاط المجلس الدستوري مشروع تعديل دستوري حركته أغلبية “باستيف” لتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وعقب قرار فاي الجريء بإقالة سونكو من منصب الوزير الأول، ليرد الأخير باستعادة مقعده النيابي واعتلاء سدة رئاسة البرلمان، محولاً الأزمة الشخصية إلى مواجهة دستورية مفتوحة بين رأسي السلطتين التشريعية والتنفيذية.
“موقع صوت الشعب الموريتاني”:
«السنغال بين مطرقة الرئاسة وسندان البرلمان: هل يلتهم “صراع الصقور” أحلام التغيير؟»
-لم يكن مستبعداً لدى المراقبين اللصيقين بالديناميات السياسية في غرب أفريقيا، وتحديداً من نافذة الجوار الموريتاني المتابع بحذر، أن ينتهي “شهر العسل” سريعاً بين حليفي الأمس؛ عثمان سونكو وبصيرو ديوماي فاي.
- لكن السرعة التي تحول بها الانسجام الرفاقي إلى “مبارزة صفرية” تعكس عمق التناقضات الكامنة في بنية نظام الحكم الجديد في داكار.
-اليوم، تبدو السنغال أمام مشهد سريالي خطير: شلل مؤسساتي محتمل تقوده سلطتان شرعيتان متصادمتان؛ رأس التنفيذية ورأس التشريع.
-منظور تيار “سونكو” وأغلبية “باستيف”: يرى أنصار رئيس البرلمان أن خطوته هي ممارسة دستورية شرعية للرقابة على أداء الجهاز التنفيذي، وحماية لمشروع “التغيير الراديكالي” الذي انتخبت السنغال على أساسه الثنائي فاي-سونكو.
بالنسبة لهؤلاء، فإن انشغال الرئيس بتأسيس حزب جديد وإقالة سونكو يمثل “انحرافاً عن المسار الوفاقي” وتكريساً للهيمنة الرئاسية الكلاسيكية التي ثار ضدها الشارع.
-منظور تيار الرئاسة وأنصار “فاي”: في المقابل، يرى الجناح الرئاسي أن سونكو يمارس “ابتزازاً سياسياً” غير مسؤول بالتلويح بسحب الثقة، مستغلاً هيمنته البرلمانية لمحاصرة صلاحيات رئيس الدولة الدستورية وشل حركة الحكومة في ظرف اقتصادي حساس يتطلب الاستقرار لا المناكفات.
ويرون في تحركات الرئيس لإعادة ترتيب بيته السياسي خطوة طبيعية لحماية استقرار الدولة وضمان توازن القوى أمام برلمان طامح للسيطرة على القرار الاقتصادي والسياسي.
-في المحصلة، يضع هذا الصراع السنغال أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تسوية سياسية تاريخية تعيد رسم حدود الصلاحيات بين الرجلين، أو الذهاب نحو سيناريو الفوضى التشريعية وحل البرلمان، مما قد يغرق البلاد في دوامة انتخابات تشريعية مبكرة مجهولة النتائج.
-وبالنسبة لموريتانيا والمنطقة المحيطة، فإن استقرار السنغال ليس ترفاً سياسياً، بل هو صمام أمان جيوسياسي واقتصادي يستدعي مراقبة حثيثة وتمنيات بأن ترجح “الحكمة السنغالية” المعهودة على طموحات “الصقور”.