نواكشوط |
بعد أشهر من الجمود والانسدادات السياسية التي كادت تعصف بقطار “الحوار الوطني” في موريتانيا، انقشعت أخيرًا غيوم الأزمة في الأمتار الأخيرة.
- فقد أفضت جولات المفاوضات الشاقة والمعقدة بين الأقطاب السياسية (الموالاة والمعارضة) إلى التوافق النهائي على “الدليل المرجعي” الذي هندسه منسق الحوار موسى فال، لينهي بذلك حالة “الفيتو المتبادل” التي جمدت اللقاءات التحضيرية منذ مارس الماضي.
-وعلمت مصادرنا أن قاعة المؤتمرات بفندق “شيراتون” بنواكشوط ستكون مسرحاً لمراسم التوقيع الرسمي على الوثيقة، بحضور قادة الكتل السياسية الكبرى.
-خلفيات هذا الاختراق الدراماتيكي تشير إلى تفكيك “الألغام الدستورية” التي فخخت الحوار طويلاً؛ حيث كشفت مصادر مطلعة عن إزالة العبارة الأكثر إثارة للجدل بين الطرفين والمتعلقة بـ “المدد والمأموريات”، والتي كانت بمثابة خط أحمر للمعارضة خشية المساس بالمواد الدستورية المحصنة، في مقابل تمسك حزب “الإنصاف” الحاكم وحلفائه بها في فترات سابقة.
-وفي هذا السياق، سارع قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية إلى مباركة هذا التقدم، حيث منحت الجمعية العامة للائتلاف تفويضاً كاملاً لرئيسها الدوري، الدكتور محمد ولد مولود، لوضع توقيعه على مسودة خارطة الطريق المعدلة، وسط أجواء من الارتياح الحذر خيّمت على معسكر المعارضة التي رأت في النسخة الأخيرة انتصاراً لثوابتها الدستورية وخطوة جادة نحو حوار وطني شامل.
(موقع “صوت الشعب الموريتاني”)
موريتانيا على أعتاب “شيراتون”: تسوية “المأموريات” المؤجلة.. هل هو عبور نحو “الجمهورية الثالثة” أم مجرد هدنة تكتيكية؟
-يخطئ من يقرأ توقيع أقطاب الحوار الموريتاني في نواكشوط على “وثيقة موسى فال” بوصفه مجرد إجراء بروتوكولي أو تفصيل عابر في أجندة النخبة السياسية؛ إنه في العمق السياسي عملية “نزع فتيل” تفجيري كان كفيلاً بإعادة إنتاج أزمات الشرعية في البلاد.
-لقد مثل شطب عبارة “المدد والمأموريات” من الدليل المرجعي جوهر الصفقة السياسية الحالية.
- ومن منظور التوازنات الوطنية، فإن هذا التنازل المتبادل يعكس نضجاً سياسياً فرضته التحديات الراهنة:
-فالمعارضة، بقيادة شخصيات متمرسة كالدكتور محمد ولد مولود، ترى في هذه الصيغة تحصيناً للمكتسبات الديمقراطية وسداً للمنافذ أمام أي التفاف على الدستور، مما يمنحها انتصاراً رمزياً وشعبياً يعيد تموضعها كحارس للعهد الدستوري.
-وفي المقابل، فإن الموالاة (حزب الإنصاف وحلفاؤه) أظهرت براغماتية لافتة؛ فقَبولها بالتخلي عن إدراج المأموريات في جدول الأعمال التمهيدي يعكس رغبة النظام في سحب ورقة “التشنج الدستوري” من يد الشارع، وتأمين جبهة داخلية متماسكة عبر حوار جامع يستوعب الجميع، دون المغامرة بصناعة استقطاب حاد لا تخدم توقيته التحديات الإقليمية والاقتصادية للبلاد.
خلاصة القول:
إن “وثيقة موسى فال” نجحت في ترحيل الخلاف الجوهري وتأجيل الصدام لضمان جلوس الجميع على الطاولة.
غير أن الاختبار الحقيقي لم يكتمل بعد؛ فالتوقيع في “شيراتون” ينهي معركة “الشكل والتسميات”، ليضع الجميع وجهاً لوجه أمام معركة “المضمون والملفات الكبرى”.
فهل تملك الأطراف الموريتانية الإرادة لتجاوز منطق “المحاصصة السياسية” إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، أم أن الشيطان الكامن في تفاصيل الحوار سيعيد الأمور إلى المربع الأول بمجرد فتح الملفات الساخنة؟
الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة.