-في خطوة سياسية لافتة حملت أبعادًا متسارعة وغير متوقعة، أصدر رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء اليوم الخميس، مرسومًا رئاسيًا يقضي بمنح عفو شامل عن النائبتين البرلمانيتين: مريم الشيخ صمب جينغ، وقامو عاشور سالم.
-وجاء في إيجاز رسمي صادر عن المكتب الإعلامي للرئاسة أن هذا العفو الرئاسي لم يقتصر على إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية فحسب، بل شمل أيضًا إلغاء الغرامات المالية والمصاريف القضائية المترتبة على المدانتين.
- وأوضحت الرئاسة أن القرار يترجم حرص رأس السلطة التنفيذية على ترسيخ قيم التسامح والسكينة، وتعزيز الانسجام والوحدة الوطنية، في إطار روح المسؤولية والمواطنة، ومع التأكيد الصارم على احترام دولة القانون واستقلالية السلطة القضائية ومؤسسات الجمهورية.
-وتأتي هذه الالتفاتة الرئاسية السريعة غداة صدور حكم قضائي مثير للجدل عن محكمة الاستئناف بنواكشوط، قضى بتخفيف العقوبة السجنية الصادرة بحق البرلمانيتين من أربع سنوات (في الحكم الابتدائي) إلى سنتين نافذتين، مع إرفاق ذلك بقرار سياسي واجتماعي ثقيل قضى بحرمانهما من حقوقهما السياسية والمدنية لمدة خمس سنوات كاملة؛ وهو الحكم الذي أسدل العفو الرئاسي الستار على تداعياته القانونية الليلة.
( موقع صوت الشعب الموريتاني):
«العفو الرئاسي عن النائبتين: موازنة “شعرة معاوية” بين هيبة القضاء وضرورات التهدئة السياسية»:
-لم يكن القرار الرئاسي بالعفو عن البرلمانيتين مريم الشيخ وقامو عاشور مجرد إجراء قانوني عابر، بل هو “مناورة سياسية بامتياز” على رقعة شطرنج وطنية شديدة الحساسية.
-إن توقيت صدور المرسوم، بعد أقل من 24 ساعة على حكم محكمة الاستئناف القاضي بتجريدهما من الحقوق المدنية والسياسية لـ5 سنوات، يشي برغبة واضحة من القصر الرمادي في نزع فتيل احتقان سياسي واجتماعي كان يلوح في الأفق.
-من الناحية التحليلية، يقف المتابع للمشهد الموريتاني أمام توازنات دقيقة فرضت ظلالها على هذا الملف:
-المقاربة الرسمية والحزبية الحاكمة: ترى في الخطوة تجسيدًا لـ”رئيس يمتلك أدوات التهدئة”، حيث استطاع النظام عبر هذا العفو تفادي تحويل النائبتين إلى “رموز للمظلومية السياسية”، مع الحفاظ التام على شكليات “دولة القانون”؛ إذ ترك القضاء يقول كلمته الاستئنافية أولًا لتثبيت مبدأ الردع وهيبة الدولة، ثم تدخلت مؤسسة الرئاسة دستوريًا عبر “حق العفو” لتغليب السكينة والانسجام الوطني ومفهوم “الأب المصلح”.
-مقاربة المعارضة والحقوقيين: في المقابل، يرى الطيف الحقوقي والمستقل في الخلفية السياسية للملف أن الحكم القضائي الابتدائي والاستئنافي كان قاسياً، وأن نزع الحقوق السياسية لبرلمانيتين يمثل سابقة تضيق الخناق على العمل المعارض. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى العفو الرئاسي كخطوة تصحيحية اضطرارية لترميم الواجهة الديمقراطية للبلاد، وتفادي اتساع الشرخ الاجتماعي والسياسي.
-في المحصلة، يثبت هذا القرار أن إدارة المشهد في موريتانيا لا تزال تخضع لسياسة التوازنات الكبرى؛ حيث تم إرضاء منطق “المؤسسات والردع” عبر مسار قضائي استمر حتى نهايته، وجرى في الوقت ذاته إرضاء منطق “المرونة والسياسة” بمرسوم رئاسي امتص الغضب في المهد.
-إنها رسالة ذكية من السلطة، تؤكد فيها أنها تمسك العصا من المنتصف: فلا فرطت في هيبة الأحكام، ولا غامرت بالسلم الأهلي.