نواكشوط |دخل المشهد السياسي الموريتاني منطفاً جديداً من التصعيد، على وقع تنديد حقوقي وسياسي واسع بما وُصف بـ”القبضة الأمنية” ضد المعارضة.
-وفي هذا السياق، استنكر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) بشدة ما تعرض له متظاهرو حركة الانعتاقية (إيرا)، واصفاً التدخل الأمني بـ”السلوك القمعي والعنف غير المبرر”.
-وكانت العاصمة نواكشوط قد شهدت وقفة احتجاجية قادتها حركة (إيرا) للمطالبة بالإفراج عن البرلمانيتين المعتقلتين، “قامو عاشور” و”مريم الشيخ”، وهي الوقفة التي فرقتها الشرطة بالقوة.
-وفي تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، كشف زعيم الحركة النائب بيرام الداه اعبيد أن الأجهزة الأمنية استخدمت “مادة سامة” أثناء تفريق المحتجين، مما أضفى بُعداً دراماتيكياً على المواجهة الميدانية.
-بين الحصانة والدستور:
حزب “تواصل”، الذي يُعد أحد أبرز القوى المعارضة في البلاد، أكد في بيان رسمي أن المتظاهرين كانوا يمارسون حقاً كفله لهم الدستور في الاحتجاج السلمي، قبل أن يواجهوا بـ”تدخل أمني عنيف”.
- وجدد الحزب تضامنه المطلق مع البرلمانيتين المعتقلتين، مشدداً على ضرورة “احترام المقتضيات الدستورية للحصانة البرلمانية”، ومحذراً من أن اللجوء إلى “المقاربات الأمنية” لا يساهم إلا في زيادة الاحتقان وتعميق أزمة الثقة بين السلطة والشارع، داعياً إلى الحوار كسبيل أوحد لتدبير الأزمات الوطنية.
-نواذيبو.. منصة الرد المشترك:
ميدانياً وسياسياً، يبدو أن تداعيات “أربعاء نواكشوط الصاخب” لن تتوقف عند حدود العاصمة؛ إذ أفادت مصادر مطلعة من داخل المعارضة عن حراك متسارع لتنظيم تظاهرة حاشدة في العاصمة الاقتصادية “نواذيبو” يوم الأحد المقبل.
-ولا تتوقف خطورة هذه الفعالية عند بُعدها الجغرافي، بل في طبيعة تركيبتها؛ حيث تعتزم قوى المعارضة بمختلف أطيافها —بما فيها “ائتلاف قوى المعارضة”، و”مؤسسة المعارضة الديمقراطية”، والتحالف الذي يقوده بيرام الداه اعبيد— المشاركة فيها بصف واحد.
-وتتزامن هذه الخطوة مع مشاورات مكثفة لولادة إطار تنسيقي جامع تحت اسم “منسقية المعارضة”، يضم المحاورين والمقاطعين على حد سواء، في محاولة واضحة لتوحيد المواقف والأنشطة الميدانية لمواجهة ما تصفه المعارضة بـ”التغول الحكومي”.
(موقع صوت الشعب الموريتاني)
-بين هراوات الأمن ورهانات المنسقية: هل دخلت موريتانيا نفق “التصعيد المتبادل”؟
-تعيش الساحة السياسية الموريتانية على حافة معادلة صفرية جديدة، أعادت إلى الأذهان جدلية “الأمن والحرية” التي لطالما حكمت العلاقة بين القصر الرمادي والمعارضة الراديكالية والمؤسساتية.
-إن الإدانة الحازمة التي أطلقها حزب “تواصل” لا يمكن قراءتها كبيان تضامني عابر، بل هي “تموضع استراتيجي” يعكس استشعار الحركة السياسية للخطر المحيط بالمكتسبات الديمقراطية، وتحديداً “الحصانة البرلمانية” التي صُدم الشارع بتهشيمها في حالة البرلمانيتين قامو عاشور ومريم الشيخ. هذا التضامن يمنح حركة (إيرا) وزعيمها بيرام الداه اعبيد غطاءً سياسياً عريضاً يتجاوز الحاضنة الحقوقية الضيقة إلى الفضاء الحزبي المنظم.
-المقاربة الحكومية: هيبة الدولة أم إفراط في القوة؟
في المقابل، تقف السلطة ومؤيدوها خلف قراءة ترى في “ضبط الشارع” خطاً أحمر لحماية السلم الأهلي، معتبرة أن التظاهر غير المرخص أو تجاوز حدود القانون تحت غطاء الحصانة قد يقود البلاد إلى منزلقات الفوضى.
غير أن استخدام القوة المفرطة —والحديث عن استخدام “مواد سامة”— يضع الرواية الرسمية في حرج حقوقي، ويحول المقاربة الأمنية من أداة لحفظ النظام إلى وقود يشعل فتيل الاحتجاج.
-زلزال “نواذيبو” وحلم المنسقية:
إن التحول الأبرز في هذا المشهد ليس القمع الميداني، بل هو “الأثر العكسي” الذي أحدثه؛ فبدلاً من تفكيك صفوف المعارضة، دفعتها الضربات الأمنية نحو “رص الصفوف”.
- الترتيب لتظاهرة “نواذيبو” والبحث عن ولادة “منسقية معارضة” تجمع الصقور والحمائم، والمحاورين والمقاطعين، يشير إلى أن المعارضة التقطت القفاز وقررت نقل المعركة من “الدفاع” إلى “الهجوم”، ومن العاصمة السياسية إلى العاصمة الاقتصادية ذات الثقل العمالي والاجتماعي الحرج.
خلاصة القول:
-إن موريتانيا اليوم تقف أمام اختبار حقيقي لصلابة مؤسساتها.
-فالاستمرار في المقاربة الأمنية لن يزيد الأزمة إلا تعقيداً، وفي المقابل، فإن دفع الشارع نحو التصعيد دون أفق سياسي قد يهدد الاستقرار.
- المخرج الوحيد يكمن في العودة إلى روح “الدستور” واحترام الحريات، وفتح قنوات حوار حقيقي يستوعب الجميع، قبل أن تخرج لغة الشارع عن السيطرة.