نواكشوط | في خطوة تشريعية حبست الأنفاس في الأوساط السياسية الموريتانية، أحالت الحكومة رسمياً إلى البرلمان مشروع القانون رقم (26-029)، والذي يفرض حظراً شاملاً ومشدداً يمنع بموجبه العسكريين – سواء كانوا في الخدمة أو خارجها – من تعاطي السياسة أو المشاركة في تجاذباتها.
-مشروع القانون الجديد، الذي حظي بضوء أخضر من مجلس الوزراء في العاشر من يونيو الجاري، لم يكتفِ بمنع الانتماء الحزبي، بل مدّ أذرعه التشريعية ليحظر على الجنود وضباط الصف المسرّحين أو المشطوبين أي نشاط سياسي، بما في ذلك نقاشات الصالونات السياسية، توزيع المنشورات، التوقيع على العرائض، أو جمع الأموال لأغراض سياسية.
-وجاءت بنود القانون “حديدية”؛ إذ صنّفت هذه الممارسات باعتبارها “خرقاً لواجب السر المهني وخطأً مهنياً جسيماً” يضع مرتكبه تحت مقصلة العقوبات التأديبية العسكرية والمتابعات الجزائية وفق قانون العدالة العسكرية، ممتداً ليشمل الأفراد غير الضباط في القوانين العامة.
-وفي عرض أسبابه، دافع الوزير الأول، المختار ولد اجاي، بقوة عن المشروع، واصفاً إياه بأنه “تأسيس واضح لواجب التحفظ وإلزامية السر المهني، بما يعزز حماية الأمن الوطني ويصون المصالح العليا للدولة”، مشدداً على أن الانضباط والولاء للدولة يظلان لصيقين بالصفة العسكرية حتى بعد انتهاء الخدمة.
(موقع صوت الشعب الموريتاني):
البدلة العسكرية والميدان السياسي بموريتانيا: هل هو طلاق بائن لحماية الجمهورية أم تحصين للمشهد من “تسييس الثكنات”؟
-تأتي إحالة الحكومة الموريتانية لمشروع القانون رقم (26-029) إلى البرلمان، لتفتح من جديد علبة “الباندا” السياسية حول طبيعة العلاقة التاريخية والمعقدة بين الثكنة والقصر الرمادي في نواكشوط. هذا القانون، بصرامته اللفظية والتشريعية، لا يمثل مجرد إجراء إداري تنظيمي، بل هو إعادة هندسة لخطوط التماس بين العمل السياسي المحض والعقيدة العسكرية الصارمة.
-منظور السلطة التنفيذية والموالاة يرى في هذا القانون خطوة حتمية لتحديث الدولة؛ فالوزير الأول المختار ولد اجاي وضع النقاط على الحروف باعتبار القانون درعاً لحماية “الأمن القومي وصون المصالح العليا للدولة”.
-القراءة السياسية لهذا الموقف تشير إلى رغبة حثيثة في النأي بالمؤسسة العسكرية – التي تشكل صمام أمان الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب (الساحل) – عن التجاذبات الحزبية الضيقة، ومنع تحول الولاء الجمهوري إلى ولاءات أيديولوجية أو جهوية داخل صفوف الجنود وضباط الصف، حتى بعد تقاعدهم.
-في المقابل، وعلى رقعة المعارضة والمراقبين المستقلين، يثير التوقيت والشمولية تساؤلات مشروعة. فالقانون يمد سلطته الحمائية إلى ما بعد الخدمة العسكرية (المسرحين والمشطوبين)، وهو ما يراه بعض الحقوقيين تضييقاً على الحريات المدنية للمواطنين الذين خلعوا البدلة العسكرية وعادوا للحياة المدنية، متسائلين: هل يهدف القانون إلى حماية حيدة الجيش، أم إلى قطع الطريق أمام شخصيات عسكرية متقاعدة قد تحمل طموحات سياسية وتملك شعبية قادرة على خلط الأوراق الانتخابية؟
في المحصلة :
-إن موريتانيا تقف اليوم عند مفترق طرق تشريعي؛ فالموازنة بين “عقيدة الحياد العسكري” و”الحقوق المدنية للمواطن” هي شعرة معاوية التي يحاول هذا القانون ضبطها.
التحدي الحقيقي لن يكون في تمرير القانون تحت قبة البرلمان – حيث الأغلبية مريحة – بل في قدرته على خلق بيئة سياسية مدنية ناضجة، تحترم خصوصية المؤسسة العسكرية كحارس للحدود والدستور، وتضمن في الوقت ذاته ألا يتحول “واجب التحفظ” إلى أداة لحظر التعبير المقيد بالمسؤولية الوطنية.