نواكشوط – صوت الشعب الموريتاني
-في خطوة سياسية وأمنية بارزة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، أصدرت رئاسة الجمهورية الموريتانية مرسوماً رئاسياً يقضي بمنح العفو وتخفيف العقوبات عن تسعة من السجناء المدانين في قضايا سلفية وفكرية متطرفة.
-وجاء هذا القرار الحاسم بعد سلسلة من المراجعات الفكرية المعمقة، وإعلان السجناء توبتهم الصريحة في أعقاب حوار علمي وفقهي رصين قاده ثلة من كبار علماء البلاد، وبتوجيهات ورعاية مباشرة من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني.
-وبموجب هذا المرسوم، نال ثلاثة من سجناء الحق العام عفواً تاماً وشاملاً من المدة المتبقية من عقوباتهم السالبة للحرية، مع إسقاط كافة الغرامات والرسوم والمصاريف القضائية المترتبة عليهم.
-وفي المقابل، قضى المرسوم باستبدال العقوبة الأصلية لستة مدانين آخرين، بالاكتفاء بالمدة الزمنية التي قضوها بالفعل وراء القضبان، وذلك بعد التثبت الفقهي والأمني من صدق توبتهم، وإجماع الهيئة العلمية المشرفة على نتائج الحوار الفكري.
-وأكدت الرئاسة الموريتانية أن هذه الخطوة تشكل برهاناً متجدداً على نجاعة “المقاربة الأمنية الموريتانية” في تفكيك بنية الفكر المتطرف ومعالجة جذوره؛ وهي مقاربة تقوم على ثنائية “الحزم الصارم” في حماية السلم الأهلي، و”المرونة الحكيمة” عبر فتح أبواب المراجعة والاندماج لمن عاد إلى جادة الصواب.
-وتأتي هذه الخطوة لتعزز الشق الفكري للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الغلو والتطرف، والتي باتت تحظى بإشادة وإعجاب واسعين على المستويين الإقليمي والدولي كنموذج يحتذى به في منطقة الساحل والصحراء.
صوت الشعب الموريتاني/
مراجعات السجون الموريتانية: تفكيك “الأدلجة” بالحوار.. وهل تنجح مقاربة “الحزم والمرونة” في إغلاق الملف السلفي؟
-لا يمكن قراءة المرسوم الرئاسي الأخير القاضي بالعفو عن تسعة من السجناء السلفيين في موريتانيا، إلا بوصفه حلقة جديدة وفريدة من نوعها ضمن استراتيجية “القوة الناعمة” التي تتبناها نواكشوط في إدارة ملف الإسلام السياسي الراديكالي.
- الخطوة، في جوهرها التحليلي، تتجاوز البُعد الإنساني أو القانوني الصرف، لتلامس صلب “المقاربة الموريتانية” التي باتت ماركة مسجلة في محاربة الإرهاب بمنطقة الساحل الأفريقي؛ مقاربة تعتمد “المبضع الفكري” قبل “القبضة الأمنية”.
-المقاربة الرسمية (صناعة الاستقرار): ترى السلطة في هذا العفو انتصاراً لخيارات الحوار التي هندسها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وتأكيداً على أن الدولة لا تبحث عن الانتقام بل عن “الاستصلاح الفكري”. نجاح العلماء في استصدار مراجعات حقيقية وتوبة علنية يعكس قدرة المرجعية الفقهية الشنقيطية على تفكيك خطاب الغلو من داخله، وتجريده من شرعيته الدينية.
-القوى الحقوقية والمستقلة (خطوة إيجابية ولكن): يرى الطيف الحقوقي والمتابعون المستقلون في هذه الخطوة انفراجة هامة تؤسس للسلم الاجتماعي، وتخفف من حدة الاحتقان السياسي والأمني. غير أن هذه الأوساط تضع إصبعها على الجرح بالتأكيد على أهمية “الرعاية اللاحقة”، وضمان دمج هؤلاء السجناء اقتصادياً واجتماعياً لئلا يقعوا في انتكاسة فكرية، مع المطالبة بتوسيع الحوار ليشمل بقية الملفات العالقة في هذا الإطار.
-المتوجسون أمنياً (مخاوف الاختراق): في المقابل، تبرز أصوات تحليلية ومتابعين للملف الأمني يبدون حذراً مشروعاً؛ حيث ينطلق هؤلاء من تجارب إقليمية ودولية سابقة أثبتت أن “التوبة وراء القضبان” قد تكون أحياناً تكتيكاً للمناورة ونيل الحرية.
- ويتساءل هذا التيار عن مدى صلابة الآليات الأمنية والفكرية الكفيلة بمراقبة العائدين وضمان عدم عودتهم للنشاط السري أو الخلايا النائمة.
الخلاصة :
إن الدولة الموريتانية، وعبر هذا التوازن الدقيق بين الحزم الأمني والمرونة الفقهية، تثبت مجدداً تفوقها في إدارة هذا الملف المعقد مقارنة بجيرانها في الساحل.
غير أن المحك الحقيقي لنجاح هذا المرسوم الرئاسي لا يكمن في خروج السجناء من زنازينهم، بل في قدرتهم على الاندماج الحقيقي كأفراد صالحين في مجتمع “صوت الشعب الموريتاني”، وتحولهم من “معاول هدم” إلى “حائط صد” ضد الفكر المتطرف.