نواكشوط – في خطوة تشكل تحولاً مفصلياً في ملف الإسلام السياسي الراديكالي بموريتانيا، أعلن 14 سجيناً من أبرز معتقلي التيار السلفي “الجهادي” في البلاد عن مراجعة فكرية شاملة، توّجوها بتوقيع بيان علني يلتزمون فيه بشكل قاطع بأمن الجمهورية واستقرارها، واضعين بذلك حداً لسنوات من الصدام الفكري والأمني مع الدولة.
-البيان الذي بثته الوكالة الرسمية للأنباء، وجاء كأحد ثمار “المقاربة الموريتانية” الشهيرة في مكافحة الغلو والتطرف العنيف، حمل دلالات سياسية وفقهية بالغة الأهمية؛ حيث أعلن الموقعون—ومن بينهم قيادات تاريخية للتيار مثل الخديم ولد السمان—عن “توبتهم من الأخطاء السابقة”، ومبايعتهم المبطنة للاستقرار عبر التعهد بالحفاظ على أمن المواطنين، المقيمين، والزوار، مؤكدين التزامهم بـ “عدم شق عصا الطاعة” والتعاون مع ولاة الأمر على البر والتقوى.
-هذا التحول الدراماتيكي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لجولات ماراثونية من “الحوار الصامت” الذي قادته ببراعة لجنة العلماء الموريتانيين برئاسة العلامة محمد المختار ولد امباله.
-وهو الحوار الذي نجح في تفكيك البنية الفكرية المتشددة عبر الحجة الفقهية، ليدفع بأسماء وازنة في عالم السلفية الجهادية—أمثال عبد الرحمن ولد أرده ومحمد الأمين ولد امباله—إلى توقيع هذه الوثيقة التي يرى مراقبون أنها قد تسدل الستار على أحد أعقد الملفات الأمنية في الساحل الإفريقي.
صوت الشعب الموريتاني –
🔴 مراجعات نواكشوط: صلح “العلماء والسلاح” أم استراحة محارب فوق رمال الساحل المتحركة؟
-يضع “بيان الـ 14” المشهد السياسي والأمني في موريتانيا أمام لحظة مكاشفة حقيقية، تتأرجح قراءتها بين ضفتي التفاؤل الحذر والتوجس الأمني المشروع، في بيئة إقليمية مشتعلة بالجهادية العابرة للحدود.
-منظور الدولة والشارع الموريتاني:
يمثل هذا البيان انتصاراً صريحاً لـ “المقاربة الموريتانية النعامة” التي تزاوج بين القبضة الأمنية الصارمة والحوار الفكري المرن.
-نجاح لجنة العلامة ولد امباله في اختراق القلاع الفكرية لرموز بحجم الخدير ولد السمان، هو تأكيد على قوة “القوة الناعمة” للمرجعية الشنقيطية الفقهية.
- بالنسبة للنظام والمجتمع، هذا البيان هو شهادة وفاة “للفكر الوافد” وإعادة دمج لهؤلاء الشباب في الحاضنة الوطنية، صيانةً للسلم الأهلي وتأميناً لخاصرة البلاد الأمنية.
-منظور التوازن والتوجس المقابل:
بالمقابل، تقرأ جهات حقوقية وتحليلية هذا التطور بعيون حذرة.
السؤال الجوهري والمشروع هنا: هل هذه المراجعات نابعة من قناعات فكرية راسخة وندم حقيقي، أم أنها “براغماتية السجون”
وسعي مشروع لإنهاء العقوبات الطويلة وراء القضبان؟ التاريخ القريب في منطقة الساحل يعلمنا أن بعض المراجعات كانت تكتيكية للاستراحة وإعادة التموقع.
خلاصة القول ومربط الفرس:
إن المحك الحقيقي لنجاح هذه الخطوة النارية ليس في حبر البيان، بل في “ما بعد البيان”.
الكرة الآن في مرمى الدولة الموريتانية؛ فالتحدي الأكبر يكمن في ابتكار آلية رقابة ومواكبة اجتماعية واقتصادية تضمن دمج هؤلاء العائدين من غياهب الغلو، وتمنع ارتدادهم.
- موريتانيا اليوم تقدم نموذجاً فريداً في المنطقة، لكنه نموذج سيبقى تحت مجهر الاختبار، في انتظار تحول الأقوال إلى أفعال على أرض الواقع.